العرب من أعطي مائة من البقر فقد أعطي القنى ، ومن أعطي مائة من الضأن فقد أعطي الغنى ، ومن أعطي مائة من الإبل فقد أعطى المنى. قال الأخفش وابن كيسان : أقنى : أفقر ، وهو يؤيد القول الأوّل (وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى) هي كوكب خلف الجوزاء كانت خزاعة تعبدها ، والمراد بها الشّعرى التي يقال لها العبور ، وهي أشدّ ضياء من الشعرى التي يقال لها الغميصاء. وإنما ذكر سبحانه أنه ربّ الشعرى مع كونه ربا لكلّ الأشياء للردّ على من كان يعبدها ، وأوّل من عبدها أبو كبشة ، وكان من أشراف العرب ، وكانت قريش تقول لرسول الله صلىاللهعليهوسلم ابن أبي كبشة تشبيها له به لمخالفته دينهم كما خالفهم أبو كبشة ، ومن ذلك قول أبي سفيان يوم الفتح : لقد أمر أمر ابن أبي كبشة : (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى) وصف عادا بالأولى لكونهم كانوا من قبل ثمود. قال ابن زيد : قيل لها عادا الأولى ، لأنهم أوّل أمة أهلكت بعد نوح. وقال ابن إسحاق : هما عادان ، فالأولى أهلكت بالصّرصر ، والأخرى أهلكت بالصيحة. وقيل : عاد الأولى قوم هود وعاد الأخرى إرم. قرأ الجمهور : (عاداً الْأُولى) بالتنوين والهمز ، وقرأ نافع وابن كثير وابن محيصن بنقل حركة الهمزة على اللام وإدغام التنوين فيها (وَثَمُودَ فَما أَبْقى) أي : وأهلك ثمودا كما أهلك عادا ، فما أبقى من الفريقين ، وثمود هم قوم صالح أهلكوا بالصيحة ، وقد تقدّم الكلام على عاد وثمود في غير موضع (وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ) أي : وأهلك قوم نوح من قبل إهلاك عاد وثمود (إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى) أي : أظلم من عاد وثمود وأطغى منهم ، أو أظلم وأطغى من جميع الفرق الكفرية ، أو أظلم وأطغى من مشركي العرب ، وإنما كانوا كذلك لأنهم عتوا على الله بالمعاصي مع طول مدة دعوة نوح لهم ، كما في قوله : (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً) (١) (وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى) الائتفاك : الانقلاب ، والمؤتفكة : مدائن قوم لوط ، وسميت المؤتفكة. لأنها انقلبت بهم وصار عاليها سافلها ، تقول : أفكته إذا قلبته ، ومعنى أهوى : أسقط ، أي : أهواها جبريل بعد أن رفعها. قال المبرد : جعلها تهوي (فَغَشَّاها ما غَشَّى) أي : ألبسها ما ألبسها من الحجارة التي وقعت عليها ، كما في قوله : (فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) (٢) وفي هذه العبارة تهويل للأمر الّذي غشّاها به وتعظيم له ، وقيل : إن الضمير راجع إلى جميع الأمم المذكورة ، أي : فغشّاها من العذاب ما غشّى على اختلاف أنواعه (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى) هذا خطاب للإنسان المكذب ، أي : فبأي نعم ربك أيها الإنسان المكذب تشكّك وتمتري ، وقيل : الخطاب لرسول الله صلىاللهعليهوسلم تعريضا لغيره ، وقيل : لكلّ من يصلح له ، وإسناد فعل التماري إلى الواحد باعتبار تعدّده بحسب تعدد متعلقه ، وسمّى هذه الأمور المذكورة آلاء ، أي : نعما مع كون بعضها نقما لا نعما ، لأنها مشتملة على العبر والمواعظ ، ولكون فيها انتقام من العصاة ، وفي ذلك نصرة للأنبياء والصالحين. قرأ الجمهور : (تَتَمارى) من غير إدغام ، وقرأ يعقوب وابن محيصن بإدغام إحدى التاءين في الأخرى (هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى) أي : هذا محمد رسول إليكم من الرسل المتقدّمين قبله فإنه أنذركم كما أنذروا قومهم ، كذا قال ابن جريج ومحمد بن كعب وغير هما. وقال
__________________
(١). العنكبوت : ١٤.
(٢). الحجر : ٧٤.
![فتح القدير [ ج ٥ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3967_fath-alghadir-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
