وتكون هذه الأحكام مسبّبات عن هذه الشرائط بوجوداتها الخارجية على حدّ نشوء احتراق الورقة بالنار من شرط توفر الملاقاة بين الورقة والنار ، من دون دخل للجعل فيها.
ب ـ الوجه الثاني : في هذا التفسير هو أن يقال : إنّ هذه أسباب بوجوداتها الخارجية لهذه الأحكام ، إلّا أنّ دور الشارع هنا ، هو أنّ هذه السببيّة مجعولة له بناء على أنّ السببيّة حكم وضعي قابل للجعل من قبل الشارع.
فالفرق بين شرطيّة الاستطاعة لوجوب الحج ، وشرطية الملاقاة مع النار للاحتراق ، الفرق هو : إنّ شرطيّة الاستطاعة بنفسها جعلت من قبل الشارع ، بينما شرطية الملاقاة مع النار لم تجعل من الشارع بما هو شارع ، إذن فدور الشارع هو أن يجعل الاستطاعة سببا لوجوب الحج ، ومن ثمّ تشتغل المسألة آليّا ، حينئذ متى ما وجدت الاستطاعة خارجا ، تحدث معها وجوبا بفضل جعل الشارع لها سببا لوجوب الحج.
ج ـ الوجه الثالث : لهذا التفسير هو أن يقال : إنّ شرائط الأحكام تكون شرائط حقيقية بوجوداتها العلميّة ، لا بوجوداتها الخارجية ، ومعنى كونها كذلك أنها تكون بالنسبة إلى الحكم من دواعي جعل الحكم ، من قبيل جعل الحكم من قبل المولى على أساس تشخيصه للمصلحة ، أو تشخيصه للمفسدة ، فيكون تشخيص المولى للمصلحة ، أو المفسدة ، له دخل في جعل الحكم ، وهنا كذلك ، يكون للاستطاعة بوجودها العلمي ، دخل في جعل الحكم بوجوب الحج ، لأن الدواعي دائما تكون مؤثرة في حكم الحاكم بوجودها العلمي ، لا بوجودها الخارجي ، فمثلا : عند ما يحصل لك العلم بحاجة الفقير ، فتأمر بإعطائه درهما ، هنا أمرك بإعطائه درهما ، استند إلى اعتقادك بحاجته ، فكان فقره بوجوده العلمي من دواعي جعل الحكم بوجوب التصدق بدرهم.
وهذا النحو من الشرطية يختلف عن النحوين السابقين ، إذ هنا أثّر الشرط بوجوده العلمي دون وجوده الواقعي.
![بحوث في علم الأصول [ ج ٥ ] بحوث في علم الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3922_bohos-fi-ilm-alusul-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
