ثم ذكر المحل الذي يظهر فيه عدم استوائهما عيانا ، وهو ما بعد الموت ، فقال : (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) ، فتجتمعون عندنا ، فنحكم بينكم. وقيل : كانوا يتريصون برسول الله صلىاللهعليهوسلم موته ، أي : إنكم جميعا بصدد الموت ، (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) ، فتحتج عليهم بأنك بلّغت الرّسالة ، واجتهدت فى الدعوة ، فتلزمهم الحجة ؛ لأنهم قد لجوا فى العناد ، فإذا اعتذروا بتقليد آبائهم لم يقبل عذرهم. وقيل : المراد : الاختصام فيما دار بينهم فى الدنيا. والأول أنسب.
الإشارة : لا يستوى القلب المشترك مع القلب المفرد الخالص لله ، القلب المشترك تفرقت همومه ، وتشتت أنواره ، بتشتيت شواغله وعلائقه ، وتفرقت محبته ، بتفرق أهوائه وحظوظه ، والقلب المفرد اجتمعت محبته ؛ وتوفرت أنواره وأسراره بقدر تفرغه من شواغله وعلائقه. وفى الحكم : «كما لا يحب العمل المشترك ، لا يحب القلب المشترك ، العمل المشترك لا يقبله ، والقلب المشرك لا يقبل عليه». وقال أيضا : «فرّغ قلبك من الأغيار تملؤه بالمعارف والأسرار».
وقيل للجنيد : كيف السبيل إلى الوصول؟ فقال : بتوبة تزيل الإصرار ، وخوف يقطع التّسويف ، ورجاء يبعث على مسالك العمل ، وبإهانة النّفس ، بقربها من الأجل ، وبعدها من الأمل. قيل له : وبم يتوصل إلى هذا؟ فقال : بقلب مفرد ، فيه توحيد مجرد. ه.
وفى الحديث عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم «من جعل الهموم همّا واحدا ـ أي : وهو الله ـ كفاه الله همّ دنياه ، ومن تشعبت به الهموم لم يبال الله به فى أىّ أودية الدنيا هلك» (١) وقال صلىاللهعليهوسلم : «من كانت الدنيا همّه فرّق الله عليه أمره ، وجعل فقره بين عينيه ، ولم يأته من الدنيا إلا ما قسم له ، ومن كانت الآخرة نيته ، جمع الله عليه أمره ، وجعل غناه فى قلبه ، وأتته الدنيا وهى صاغرة» (٢). ومن كان الله همه بفنائه فيه ؛ جمع الله عليه سره ، وأغناه به عما سواه ، وخدمه الوجود بأسره ، «أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون ، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك» (٣). والله تعالى أعلم.
__________________
(١) رواه الحاكم (٢ / ٤٤٣) «وصحّحه ، ووافقه الذهبي». والبيهقي فى الشعب (١٠٣٤٠) من حديث ابن عمر رضي الله عنه. وأخرجه ابن ماجة بسند ضعيف ، فى (المقدمة ، ١ / ٩٥ ، ح ٢٥٧) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
(٢) أخرجه أحمد فى المسند (٥ / ١٨٣) وابن ماجة فى (الزهد ، باب الهم بالدنيا ، ٢ / ١٣٧٥ ، ح ٤١٠٥) من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه ، وأخرجه ، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ، الترمذي فى (صفة القيامة والرّقائق ، ٤ / ٥٥٤ ، ح ٢٤٦٥).
(٣) حكمة عطائية ، انظر الحكم بتبويب المتقى الهندي / ص ٣٣ حكمة ٢٤٨.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
