ما نعبد ، لنعبد ما تعبد ، فهو كقوله : (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (١) أي : لا أعبد إلا الله (مُخْلِصاً لَهُ دِينِي) من كل ما يشوبه من العلل ، فأمر صلىاللهعليهوسلم أولا ببيان كونه مأمورا بعبادة الله وإخلاص الدين له ، ثم بالإخبار بخوفه من العذاب على تقدير العصيان ، ثم بالإخبار بامتثاله لما أمر به على أبلغ وجه ؛ إظهارا لتصلبه فى الدين ، وحسما لمادة أطماعهم الفارغة ، وتمهيدا لتهديدهم بقوله : (فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ) أن تعبدوه (مِنْ دُونِهِ) تعالى. وفيه من الدلالة على شدة الغضب عليهم مالا يخفى ، كأنهم لمّا لم ينتهوا عما نهوا عنه أمروا به ، كى يحيق بهم العذاب.
(قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ) ؛ الكاملين فى الخسران ، الذي هو عبارة عن : إضاعة ما يهمه ، وإتلاف ما لا بد منه ، هم (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) بتعريضها للعطب ، (وَأَهْلِيهِمْ) بتعريضهم للتفرق عنهم ، فرقا لا جمع بعده ؛ إما فى عذاب الأبد ، إن ماتوا على الكفر معهم ، أو : فى الجنة ، إن آمنوا ، فلا يرونهم أبدا. وقيل : خسروا أهلهم ؛ لأنهم لم يدخلوا مدخل الذين لهم أهل فى الجنة ، أو : خسروا أهلهم الذين كانوا يتمتعون بهم ، لو آمنوا. (أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ) الذي لا خسران أظهر منه. وتصدير الجملة بحرف التنبيه ، والإشارة بذلك إلى بعد منزلة المشار إليه فى الشر. وتوسيط ضمير الفصل ، وتعريف الخسران ، ووصفه بالمبين ؛ من الدلالة على كمال هو له وفظاعته ، وأنه لا خسران وراءه ، مالا يخفى.
(لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ) أي : لهم ظلل كثيرة متراكمة بعضها فوق بعض ، كائنة من النّار ، (وَمِنْ تَحْتِهِمْ) أيضا (ظُلَلٌ) أي : أطباق كثيرة ، بعضها تحت بعض ، هى ظلل لآخرين. (ذلِكَ) العذاب الفظيع هو الذي (يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ) ويحذّرهم إياه ؛ ليجتنبوا ما يوقعهم فيه. (يا عِبادِ فَاتَّقُونِ) ولا تتعرضوا لما يوجب سخطى. وهذه موعظة من الله بالغة ، منطوية على غاية اللطف والرّحمة ، جعلنا الله من أهلها بمنّه وكرمه.
الإشارة : الإخلاص سر بين الله وبين عبده ، لا يطلع عليه ملك فيكتبه ، ولا شيطان فيفسده ، وهو الغيبة عما سوى الله ، فلا يرى فى الدارين إلا الله ، ولا يعتمد إلا عليه ، ولا يخاف إلا منه ، ولا يرجو إلا إياه. والإسلام هو : الانقياد بالجوارح فى الظاهر للأحكام التكليفية ، والاستسلام فى الباطن للأحكام القهرية التعريفية ، فالإسلام صورة ، والاستسلام روحها ، فالإسلام بلا استسلام جسد بلا روح.
وقوله تعالى : (فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ) هو تهديد لمن عبد نفسه وهواه ، وهو الخسران المبين. ويقال : الخاسر : من خسر أيام عمره بالبطالة والتقصير ، وخسر آخرته بعدم التأهب والتشمير ، وخسر مولاه بعدم الوصول إلى
__________________
(١) الآية ٦ من سورة الكافرون.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
