عشر. (فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ) أي : غير أهل بيت (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) ، وفيه دليل على أن الإسلام والإيمان واحد ، أي : باعتبار الشرع ، وأما فى اللغة فمختلف ، والإسلام محله الظاهر ، والإيمان محله الباطن. (وَتَرَكْنا فِيها) أي : فى قراهم (آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ) أي : من شأنهم أن يخافوا ؛ لسلامة فطرتهم ، ورقة قلوبهم ، وأما من عداهم من ذوى القلوب القاسية ، فإنهم لا يعتبرون بها ، ولا يعدونها آية.
الإشارة : الإشارة بإبراهيم إلى القلب ، وأضيافه : تجليات الحق ، فنقول حينئذ : هل بلغك حديث إبراهيم القلب ، حين يدخل عليه أنوار التجليات ، مسلّمة عليه ، فينكرها أول مرة ، حيث لم يألف إلا رؤية حس الكائنات ، فراغ إلى أهله : عوالمه ، فجاء بعجل سمين ؛ النفس أو السّوى ، فقرّبه إليهم ، بذلا لها فى مرضاة الله ، فقال : ألا تأكلون منها ، لتذهب عنى شوكتها ؛ إذ لا تثبت أنوار الشهود إلا بعد محق النّفس وموتها ، فأوجس منهم خيفة ؛ لأن صدمات التجلي تدهش الألباب ، إلا من ثبته الله ، قالوا : لا تخف ، أي : لا تكن خوّافا ، إذ لا ينال هذا السر إلا الشجعان ، كما قال الجيلاني (١) :
|
وإيّاك حزما لا يهولك أمرها |
|
فما نالها إلا الشّجاع المقارع |
وبشّروه بغلام عليم ، وهو نتيجة المعرفة ، من اليقين الكبير ، والطمأنينة العظمى ، فأقبلت النّفس تصيح ، وتقول : أألد هذا الغلام ، من هذا القلب ، وقد كبر على ضعف اليقين ، وأنا عجوز ، شخت فى العوائد ، عقيم من علوم الأسرار؟! ، فتقول القدرة : كذلك قال ربك ، هو علىّ هيّن ، أتعجبين من قدرة الله ، «من استغرب أن ينقذه الله من شهوته ، وأن يخرجه من وجود غفلته. فقد استعجز القدرة الإلهية ، وكان الله على كلّ شىء مقتدرا» (٢) إنه هو الحكيم فى ترتيب الفتح على كسب المجاهدة ، العليم بوقت الفتح ، وبمن يستحقه. قال إبراهيم القلب أو الرّوح : فما خطبكم أيها التجليات ، أو الواردات الإلهية ، قالوا : إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ، وهم جند النّفس ، لنرسل عليهم حجارة من طين ، مسومة عند ربك للمسرفين ، وهم الأذكار والأوراد والمجاهدات والرّياضات والمعاملات المهلكة للنفس وأوصافها ، فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين ، سالمين من الهلاك ، وهو ما كان لها من الأوصاف الحميدة ، والعلوم الرّسمية ، إذ لا تخرج المجاهدة إلا من كان مذموما ، فما وجدنا فيها من ذلك إلا النّذر القليل ؛ إذ معاملة النّفس جلها مدخولة ، وتركنا فيها آية من تزكية النّفس ، وتهذيب أخلاقها ، للذين يخافون العذاب الأليم ، فيشتغلون بتزكيتها ؛ لئلا يلحقهم ذلك العذاب.
__________________
(١) الشيخ عبد الكريم الجيلي فى عينيته (ص ٧٨).
(٢) حكمة عطائية رقم (١٩٧) انظر تبويب الحكم (ص ١٨).
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
