أىّ قبيل هو ، فإنّ من الظن ما يجب اتباعه ؛ كالظن فيما لا قاطع فيه من العمليات ، وحسن الظن بالله تعالى ، ومنه ما يحرم ، وهو ما يوجب نقصا بالإلهيات والنّبوات ، وحيث يخالفه قاطع ، وظن السوء بالمؤمنين ، ومنه ما يباح ، كأمور المعاش.
(إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) ، تعليل للأمر بالاجتناب ، قال الزجاج : هو ظنّك بأهل الخير سوءا ، فأما أهل الفسق فلنا أن نظنّ بهم مثل الذي ظهر عليهم ، وقيل المعنى : اجتنبوا اجتنابا كثيرا من الظن ، وتحرّزوا منه ، إن بعض الظن إثم ، وأولى كثيره ، والإثم : الذنب الذي يستحق صاحبه العقاب ، وفى الحديث عنه صلىاللهعليهوسلم : «إياكم والظن ، فإن الظنّ أكذب الحديث» (١) ، فالواجب ألّا يعتمد على مجرد الظن ، فيعمل به ، أو يتكلم بحسبه.
قال ابن عطية : وما زال أولو العزم يحترسون من سوء الظن ، ويجتنبون ذرائعه. قال النّووى : واعلم أن سوء الظن حرام مثل القول ، فكما يحرم أن تحدّث غيرك بمساوئ إنسان ؛ يحرم أن تحدّث نفسك بذلك ، وتسىء الظن به ، والمراد : عقد القلب وحكمه على غيره بالسوء ، فأما الخواطر ، وحديث النّفس ، إذا لم يستقر ويستمر عليه صاحبه ، فمعفوّ عنه باتفاق ؛ لأنه لا اختيار له فى وقوعه ، ولا طريق له إلى الانفكاك عنه. ه.
وقال فى التمهيد : وقد ثبت عن النّبى صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «حرّم الله من المؤمن : دمه وماله وعرضه ، وألا يظنّ به إلا الخير» (٢). ه. ونقل أيضا أن عمر بن عبد العزيز كان إذا ذكر عنده رجل بفضل أو صلاح ، قال : كيف هو إذا ذكر عنده إخوانه؟ فإن قالوا : ينتقص منهم ، وينال منهم ، قال عمر : ليس هو كما تقولون ، وإن قالوا : إنه يذكر منهم جميلا ، ويحسن الثناء عليهم ، قال : هو كما تقولون إن شاء الله. ه. وفى الحديث أيضا : «خصلتان ليس فوقهما شىء من الخير ، حسن الظنّ بالله ، وحسن الظن بعباد الله. وخصلتان ليس فوقهما شىء من الشر ، سوء الظن بالله ، وسوء الظن بعباد الله».
(وَلا تَجَسَّسُوا) ؛ لا تبحثوا عن عورات المسلمين ومعايبهم ، يقال : تجسس الأمر : إذا تطلبه وبحث عنه ، تفعل من : الجسّ. وعن مجاهد : خذوا ما ظهر ودعوا ما ستر الله. وقال سهل : لا تبحثوا عن طلب ما ستر الله على
__________________
(١) أخرجه بطوله البخاري فى (الأدب ، باب (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِ) ح ٦٠٦٦) ومسلم فى (البر والصلة ، باب تحريم الظن ، ح ٢٥٦٣).
(٢) انظر التمهيد (٢٠ / ١٥٧) ، وأخرج الطبراني فى الكبير (١١٠ / ٣٧ ح ١٠٩٦٦) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : نظر رسول الله صلىاللهعليهوسلم إلى الكعبة فقال : «لا إله إلا الله» ما أطيبك وأطيب ريحك وأعظم حرمتك ، والمؤمن أعظم حرمة منك ، إن الله عزوجل جعلك حراما ، وحرّم من المؤمن ماله ودمه وعرضه وأن يظن به ظنا سيئا».
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
