لم يقل للشمس فى علاها ، ولا للأقمار فى ضيائها : (فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) ولما انتهى إلينا قال : (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (١). ثم قال : وكما أحسن صوركم محى من ديوانكم الزلّات ، وأثبت الحسنات ، قال الله تعالى : (يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ). (٢) ه.
قوله تعالى : (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ) لذيذ المشاهدة ، وأنس الوصلة. وقوله تعالى : (هُوَ الْحَيُ) الحياة عند المتكلمين لا تتعلق بشىء ، وعند الصوفية تتعلق بالأشياء ؛ إذ لا قيام لها إلا بأسرار معانى ذاته ، ومن تحققت حياته من الأولياء بحياة الله ، بحيث كان له نور يمشى به فى النّاس ، كان كلّ من لقيه حييت روحه بمعرفة الله ، ولذلك يضم الشيخ المريد إليه ، إن رآه لم ينهض حاله ، ليسرى حاله فيه ، يأخذون ذلك من ضم جبريل للنبى ـ عليهماالسلام. وبالله التوفيق.
ولمّا كان صلىاللهعليهوسلم بين أظهر المشركين ؛ نهى عن أن يتصف بصفاتهم ، فقال :
(قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦٦) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨))
يقول الحق جل جلاله : (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ) أي : تعبدون (مِنْ دُونِ اللهِ) ولم يكن عبدها قط ، (لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي) ؛ من الحجج العقلية ، والآيات التنزيلية.
قال الطيبي : معرفة الله تعالى ووحدانيته معلومتان بالعقل ، وقد ترد الأدلة العقلية فى مضمون السمعية ، أما وجوب عبادة الله ، وتحريم عبادة الأصنام ، فحكم شرعى ؛ لقوله : (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ) أي : حرم علىّ ، وهذا إنما يتحقق بعد البعثة ، خلافا للمعتزلة فى الإيجاب قبل الشرع ، للتحسين والتقبيح ، والمعنى : أن قضية التقليد توجب ما أنتم
__________________
(١) الآية ٤ من سورة التين.
(٢) من الآية ٣٩ من سورة الرّعد.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
