الإشارة : فى الآية إشارة للفناء والبقاء ، فيصعق العبد عن رؤية وجوده ، ثم يبقى بربه ، فتشرق أرض البشرية بنور وجود الحق ، ثم يشرق العالم كله. قال الورتجبي : نفخة الصعق قهرية جلالية ، ونفخة البعث ظهور أنوار جماله فى أنوار جلاله ، وبذلك ينتظر وقوع نور الكشف بقوله : (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها) فيتجلى للخواص ، ثم تستضىء بأنوارهم أرض المحشر ، للعموم والخصوص ، تعالت صفاته عن أن تقع على الأماكن ، أو أن يكون محلا للحدثان ، يا عاقل ، لا تكون ذرة من العرش إلى الثرى إلا وهى مستغرقة فى أنوار إشراق آزاله وآباده. ثم قال عن بعضهم : (إلا من شاء الله) هم أهل التمكين ، مكّن الله أسرارهم من تحمل الواردات.
ثم ذكر نتيجة الفصل بين العباد ، فقال :
(وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢))
يقول الحق جل جلاله : (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً) أي : تسوقهم الزبانية بالعنف والإهانة ، كما تساق الأسارى والخارجين على السلطان ، إذا سيقوا للقتل أو السجن ، فتسوقهم الزبانية إلى جهنم أفواجا متفرقة ، بعضها إثر بعض ، حسب ترتب طبقاتهم فى الضلالة والشرارة ، والزمر : جمع زمرة ، أي : الجماعة ، واشتقاقها من الزمر ، أي : الصوت. والجماعة لا تخلو عنه.
(حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها) ليدخلوها ، وهى سبعة (١) ، (وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها) تقريعا وتوبيخا : (أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ) ؛ من جنسكم. وقرىء : «نذر منكم» ، (يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا) أي : وقتكم هذا ، وهو وقت دخولهم النّار. وفيه دليل على أنه لا تكليف قبل الشرع ، من حيث إنهم عللوا توبيخهم بإتيان الرّسل وتبليغ الكتب. (قالُوا بَلى) قد أتونا وأنذرونا ، (وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ) أي : ولكن وجبت علينا كلمة الله : (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ) (٢) بسوء أعمالنا حيث كذّبنا ، وقلنا : ما نزّل الله
__________________
(١) كما ذكر فى سورة الحجر ، فى قوله تعالى : (لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ) الآية ٤٤.
(٢) من الآية ١١٩ من سورة هود.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
