الثّالث : لا شبهة في أنّ هذه الأدوات قد تستعمل في غير ما يكون نداء أو تشبيها أو غيرهما بالحمل الشّائع ، فتستعمل بداعي التّشوق أو السّخريّة أو التّودّد وغيرها من الدّواعي الاخرى ، كما هو مذكور في محلّه ، ولا ريب ، في أنّ الموجود بهذا الاستعمال لا يكون بالحمل الشّائع ، فردا من أفراد معنى من معاني هذه الأدوات ، فلا يكون الاستعمال بداعي التّشوّق مثل قوله : «أيا جبلي نعمان بالله خلّيا ـ نسيم الصّبا يخلص إليّ نسيمها». أو بدواع أخر نداء ، أو غيره بالحمل الشّائع ، بل يكون تشوّقا ، أو توجّدا أو غيرهما بهذا الحمل ، وعليه ، فإمّا يكون استعمال هذه الأدوات في هذه الموارد بنحو من التّجوّز ، وضرب من العناية ، وهذا لا يقول به القائل بالحروف الإيجاديّة ، أو يكون استعمالا في معانيها بنحو الحقيقة وبلا عناية ، غاية الأمر ، بداعي أحد هذه الامور من التّشوّق والتّوجّد وغيرهما ، فيلزم أن تكون معانيها غير ما يوجد بها بمجرّد استعمالها ، وهذا هو المطلوب.
هذا كلّه لو كان المراد من الإيجاديّة حدوث فرد من أفراد المعاني في الخارج بسبب الاستعمال.
وأمّا لو كان المراد منها هو إيجاد الرّبط بين المفاهيم الاسميّة في صقع نشآتها وحدوثها ، كما هو مراد من يدّعي الإيجاديّة في المعاني الحرفيّة مطلقا ، فهو باطل ، أيضا ؛ لما تقدّم من الدّليل على بطلان دعوى الإيجاديّة مطلقا ، بمعنى : أنّه لا فرق في المعاني الحرفيّة وما يحذو حذوها من الأسماء في كونها معاني إخطاريّة ، بين كونها إخباريّة ، مثل قولنا : «زيد في الدّار» وكونها إنشائيّة مثل قولنا : «كأنّ زيدا أسد». (١)
__________________
(١) راجع ، كتاب بدائع الافكار : ج ١ ، ص ٤٦ و ٤٧.
![مفتاح الأصول [ ج ١ ] مفتاح الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3808_meftah-alusul-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
