«ما لا يدرك كلّه» على الكلّ المجموعي لا الأفرادي ؛ إذ لو حمل على الأفرادي كان المراد: ما لا يدرك شيء منها لا يترك شيء منها ، ولا معنى له (١).
وجوابه : أنّ حمل كلمة «كلّ» على الكلّ الأفرادي لا يحتاج إلى إضافة كلمة «شيء» في العبارة ، بل نقول : الطبيعة المركّبة التي لا يدرك كلّ جزء من أجزائها لا يترك كلّ جزء منها ، لا شكّ في صحّة هذا التعبير عن العامّ الأفرادي ، كما أنّه يصحّ في العامّ الاستغراقي ـ مثل «أكرم كلّ عالم» ـ التعبير بأنّه : إن لم يمكن إدراك إكرام كلّ عالم لا يترك إكرام كلّه.
ولكن لا يخفى أنّ ما أفاده الشيخ هنا ـ كما أشار إليه استاذنا السيّد الإمام رحمهالله ـ من فروع النزاع المعروف بينه (٢) وبين المحقّق صاحب الحاشية (٣) في باب المفاهيم ، وهو أنّه إذا كان الحكم في المنطوق حكما عامّا ، فهل المنفي في المفهوم نفي ذلك الحكم بنحو العموم ، أو نفي العموم الغير المنافي لثبوت البعض ، مثلا قوله عليهالسلام : «الماء إذا بلغ قدر كرّ لا ينجّسه شيء» (٤) ، هل يكون مفهومه أنّه إذا لم يبلغ ذلك المقدار ينجّسه جميع الأشياء النجسة ، أو أنّ مفهومه تنجّسه بشيء منها الغير المنافي لعدم تنجّسه ببعض النجاسات؟
والحقّ مع صاحب الحاشية ؛ لأنّ المفهوم عبارة عن انتفاء الحكم في المنطوق عند انتفاء الشرط ، لا ثبوت حكم نقيض للحكم في المنطوق ، وقد حقّقنا ذلك في باب المفاهيم من مباحث الألفاظ.
وحينئذ فالمراد ب «ما لا يدرك كلّه» في المقام بناء على هذا الاحتمال :
__________________
(١) فرائد الاصول ٢ : ٤٩٩.
(٢) الطهارة للشيخ الأنصاري : ٤٩ ، السطر ٢٦ ، مطارح الأنظار : ١٧٤ ، السطر ٣١.
(٣) هداية المسترشدين : ٢٩١.
(٤) وسائل الشيعة ، ١٥٨ ، كتاب الطهارة ، الباب ٩ من أبواب الماء المطلق ، الحديث ١ ، ٢ ، ٥ و ٦.
![دراسات في الأصول [ ج ٣ ] دراسات في الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3693_dirasat-fi-alusul-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
