كان قصده انبعاث المطلوب منه بهذا الطلب منضمّا إلى بعض المقارنات التي توجب وجود الداعي في نفسه كطلب المسكين من الغني ؛ فإنّه لا يقصد انبعاث الغني بنفس طلبه وتحريكه لعلمه بعدم كفاية بعثه في تحرّك الغني ، ولذا يقارنه ببعض ما له دخل في انبعاث الغني كالتضرّع والدعاء لنفس الغني ووالديه ـ مثلا ـ وهذا القسم من الطلب يسمّى التماسا أو دعاء ، فعلى هذا فحقيقة الطلب على قسمين ، غاية الأمر أنّ القسم الأوّل منه ـ أي الذي يسمّى بالأمر ـ حقّ من كان عاليا ، ومع ذلك لو صدر عن السافل بالنسبة إلى العالي كان أمرا أيضا ، ولكن يذمّه العقلاء على طلبه بالطلب الذي ليس شأنا له ، كما أنّ القسم الثاني يناسب شأن السافل ، ولو صدر عن العالي أيضا لم يكن أمرا ، فيقولون : لم يأمره بل التمس منه ، ويرون هذا تواضعا منه.
وفيه : أنّ للعلوّ ـ إذا كان ـ دخلا في معنى الأمر ، فما يصدر من السافل ليس بأمر ، وإذا لم يكن له دخل فيه فلم لا يكون من حقّه وشأنه الطلب على النحو المذكور؟! فتحقّق الأمر من السافل مع عدم كونه من حقّه متناقضان لا يجتمعان ، ولعلّه تخيّل أنّه لو كان للعلوّ دخل في معنى الأمر لا بدّ حين تفسير قولنا : «أنا آمرك بكذا» أن نقول : أطلب منك وأنا عال ، مع أنّه ليس كذلك ؛ إذ لا شبهة في دخالة إنسانيّة الآمر في معنى الأمر ، وهكذا كون الطلب وجوبيّا على ما هو التحقيق كما سيأتي ، ولكن لا نقول في مقام تفسير القول المذكور : أطلب منك وأنا إنسان ، أو أطلب منك طلبا وجوبيّا ؛ لأنّه لا ضرورة لذكر هذه الخصوصيّات.
فالتحقيق : أنّ الاستعلاء والعلوّ معا معتبران في معنى الأمر ، فإنّ الطلب الصادر من العالي إن كان بصورة الالتماس وعدم الاتّكاء بالعلو لا يطلق عليه
![دراسات في الأصول [ ج ١ ] دراسات في الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3691_dirasat-fi-alusul-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
