وأما السؤال الثالث : وهو قوله : إن الذي ذكرتم يقتضي كونه تعالى ، موجبا بالذات ، لا فاعلا بالاختيار»
فجوابه : إنا قد دللنا على أن الفعل يتوقف على حصول الداعية والإرادة المرجحة. ثم لما تأملنا أن كل ما للعبد من الدواعي والإرادات فهو محدث. فلا جرم افتقرت دواعي العباد وإرادتهم إلى مرجح آخر. فأما إرادة الله تعالى فإنها قديمة أزلية ، فلا جرم استغنت عن إرادة أخرى. فظهر الفرق بين البابين.
فإن قالوا : هب أنه ظهر الفرق من الوجه الذي ذكرتم. إلا أنا نلزمكم هذا الإلزام من وجه آخر. فنقول : إرادة الله [تعالى (١)] تعلقت بإحداث العالم في الوقت المعين. فهل كان يمكن أن تتعلق بإحداث العالم في وقت آخر ، بدلا عن التعلق الأول ، أو يمكن؟ فإن كان الأول لزم افتقاره إلى مرجح ، وإن كان الثاني [لزم (٢)] أن يكون موجبا [لا (٣)] مختارا والجواب : إن هذا الإشكال الذي أوردتم علينا في الإرادة : وأورد عليكم في العلم. فإن لزم من هذا القدر كونه تعالى موجبا ، فهو أيضا وارد عليكم بسبب العلم.
وأما السؤال الرابع : وهو قوله : «القادر يمكنه أن يرجح أحد مقدوريه على الآخر لا لمرجح» فنقول : هذا محال. ويدل عليه وجوه :
الأول : إن نسبة القادر إلى الضدين. إما أن تكون على السوية ، أولا على السوية. فإن كان على السوية ، امتنع حصول الرجحان. وإلا فحينئذ يكون ذلك الرجحان حاصلا ، لا لمؤثر. لأن الاستواء لا يوجب الرجحان البتة. وحصول الرجحان قول بحدوث الأثر ، لا لمؤثر. وذلك يوجب نفي الصانع وهو محال. وإن كانت نسبة القادر إلى أحد الضدين راجحة ، فهذا اعتراف بإن الرجحان لا لمرجح محال. وهو المطلوب.
الثاني : إنه لو حصل الرجحان لا لمرجح ، لكان حصول [ذلك
__________________
(١) من (م ، ل)
(٢) من (ط ، ل)
(٣) من (ل)
![المطالب العالية من العلم الإلهي [ ج ٩ ] المطالب العالية من العلم الإلهي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3642_almatalib-alalia-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
