الفصل الخامس
في
قولنا (رَبِّ الْعالَمِينَ)
قالت المعتزلة : التربية عبارة عن إيصال المنافع إلى الغير ، لغرض الإحسان إليه. فلما وصف الله نفسه بأنه رب العالمين ، وجب أن يقال : إن كل ما أوصل الله إلى الغير فإنه منفعة ، وأنه تعالى إنما أوصلها إليهم لغرض الإحسان إليهم. وهذا إنما يتم على قولنا. فإنا نقول : إنه تعالى ما خلق الخلق ، وما كلف أحدا إلا لغرض الإحسان إليهم. فأما على قول الجبرية ، وهو أنه تعالى خلقهم للنار والعذاب الدائم ، فهذا لا يكون ربا ولا مربيا البتة.
قال أهل السنة والجماعة : هذه الآية من أدل الدلائل على صحة قولنا. وبيانه من وجوه :
الأول : إن العالم كل موجود سوى الله ، فتكون أفعال العباد من جملة العالم. ولما كان ربا للعالمين ، وجب أن يكون ربا لأفعال العباد والرب هو المتصرف [بالشيء (١)] فيلزم كونه متصرفا في أفعال العباد ، والتصرف في أفعال العباد لا يكون إلا بخلقها وتكوينها. فدلت هذه الآية على أنه تعالى خالق لأفعال العباد.
الثاني : إنه تعالى لما علم أن الكافر لا يؤمن ، وأنه لا يستفيد من صيرورته مأمورا بالإيمان إلا استحقاق العذاب الدائم ، فكيف يمكن أن يقال : إنه تعالى إنما كلفه لغرض الإحسان؟ ومثاله : من وقع في البئر ، وعلم إنسان علما يقينا : أنه لو رمى إليه حبلا ، فإنه يخنق نفسه ، ثم إنه مع هذا اليقين رمى إليه حبلا ، وقال : غرضي منه : أن يستعين به على الصعود من البئر. فإن كل أحد يقول : إنك علمت أنه لا يصرف ذلك الحبل إلا إلى مضرة نفسه ، فكان
__________________
(١) من (م ، ل).
![المطالب العالية من العلم الإلهي [ ج ٩ ] المطالب العالية من العلم الإلهي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3642_almatalib-alalia-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
