الجمل (١) حتّى أبركته في المحجّة العظمى وعقلته ، وبعدت عنه بحيث أشاهده ، حتّى مرّت قافلة ، فأقاموا البعير وساقوه. فلمّا أصبح النّاس إذا صائح ينشد الضّالّة ، ويبذل لمن ردّها مائة دينار. وإذا هما امرأتان لبعض أكابر أهل زبيد.
وكانت عادة الحرّة أن تمشي في السّاقة ، فمن نام أيقظته ، وكان لها مائة بعير برسم حمل المنقطعين.
وحين تنصّفت اللّيلة الثّانية تأخّرت حتّى مرّ بي محملها ، فبادر الغلمان إليّ وقالوا : لك حاجة؟ فقلت : الحديث مع الحرّة. ففعلوا ذلك ، فأخرجت رأسها من سجف الهودج.
قال : فناولتها الزّوجين ، وبلغني أنّ وزنهما ألف مثقال ، فقالت : ما اسمك؟ ومن تكون؟ فقد وجب حقّك.
فأعلمتها ، وحصل لي منها جانب قويّ وصورة وتقدّم ، وتسهّل الوصول إليها في كلّ وقت. وبذلك حصلت معرفة بالوزير القائد أبي محمد سرور الفاتكيّ. وكسبت بمعرفتها مالا جزيلا (٢). وتجرت لها بألوف من المال ، وتردّدت إلى عدن ، وحصلت لي صحبة أهل عدن. وقضى ذلك باتّساع الحال وذهاب الصّيت ، حتّى كان القاضي أبو عبد الله محمد بن أبي عقامة الحفائليّ (٣) رأس أهل العلم والأدب بزبيد يقول لي : أنت خارجيّ هذا الوقت وسعيده ، لأنّك أصحبت تعدّ من جملة أكابر التّجّار وأهل الثّروة ، ومن أعيان الفقهاء الّذين أفتوا ، ومن أفضل أهل الأدب. فأمّا الوجاهة عند أهل الدّول ، ونعمة خدّك بالطّيب واللّباس وكثرة السّراري ، فو الله ما أعرف من يعشرك فيه ، فهنيئا لك.
__________________
(١) في الأصل : «الحمل».
(٢) النكت العصرية ٢٦.
(٣) في الأصل : «قتامة المنائلي» ، والتصحيح من النكت ٢٨.
![تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام [ ج ٣٩ ] تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3597_tarikh-alislam-39%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
