وسبب للقوى الخمس الباطنة ، أعني القوة الخيالية والذاكرة والحافظة ، فإن هذه القوى كالجواسيس في المدينة يرفعون الأخبار إلى الخدمة والخواص كالكتبة والحجاب والوزراء ، فما يقيد عند الجواسيس يرفعونه إلى الكتبة وما يقيد عند الكاتب يرفعه إلى الملك وهي النفس. ثم اختلفت مدركات الحواس الخمس فكانت حاسة البصر موكلة بعالم الألوان على اختلافها في الصفات والمقادير ، وحاسة الذوق بكل مطعوم ، وهكذا إلى تمامها وكلما رفعت من هذه محفوظة عند الكتبة الخزان ، وقد قلنا : الجسم كالثغر وإن النفس مشغولة بافتقاد ثغرها في كل دقيقة فلزوم هذه المدركات للنفس ضروري أعني عند صرف الهمة إليه يلزم ذلك طبعا ، فإنك متى حدقت بصرك إلى مرئي حصلت لك رؤيته بالضرورة شئت أو أبيت ، وكذلك سائر الحواس الخمس فلا تطويل فحصول الإبصار للنفس مختار ، فصح وثبت أن الجنبة السفلى الجسمانية أفعالها جسمانية محضة والأفعال الجسمانية كلها ضرورية طبيعية فقد انقضت المباحثة وتفرغ الكلام من هذا الجانب من حيث وقفنا الأفعال بعد أسبابها على إرادة النفس ، وإرادتها هي الفيصل بين الجنبتين جنبة أعلى وجنبة أسفل ، كما وكلت بسياسة جنبة أعلى على وجه مخصوص وكان له وجهان إلى جنبة اضطراري واختياري ، فإذا استعملت السبب حصل المسبب بالضرورة ، فحصول المسبب من جهة أعلى أو من جهة أسفل ضروري لا ثواب عليه ، فقد استرحنا من هذا الطرف وهو الطرف الضروري وبقي الاختياري فوقفنا من جهة الجنبة السفلى على نزوع النفس وإرادتها ، وكذلك أيضا من جهة فوق فتوقف البحث والنظر على هذه الدقيقة وهي الإرادة والنزوع ، وقد قدمنا أنه تارة يكون اضطراريا وتارة يكون اختياريا محضا ، وذلك لا يتحصل برهان مخصوص بل النفس يدخل الخير إليها من جهة العقل وهو انفعالها للعقل عند إشارته فهي مثابة لنزوعها ونزوعها يظهر تأثيره في الجسم إذ لا يظهر الأثر فيها بأكثر من الشوق والعشق المطلق فتثاب على جهة الوساطة كما قدمناه.
وأما الشر : فيدخل عليها من جهة الخير فيكون أولا خيرا ثم ينعكس. ومثال ذلك : أنك متى ركبت دابة استعرتها من دار رجل فتصرفت بها في حاجتك ، وكانت دابة جموحة صعبة المرام فخطرت بها على دار مولاها فنزعت إلى دار سيدها فصرفت عنانها فتقاعست فعاقبتها بالسوط وآلمتها وتحملت عليها فلا شك أنك يمكنك صرفها وقد تعديت ، فإن حقك أن لا تخطر بها على دارها. فلو أنك سقتها إلى دار سيدها وأدخلت يدها عتبة الباب ، ثم لفحتها لم تطعك بوجه بل تدخل كرها وربما جرحت رأسك وآلمتك وكنت عند العقلاء مذموما ، فإنك مكنتها من طبيعتها. ثم أردت حجابها وقد كتب الله تعالى في كتابه السابق وقضى بقضائه المحتم بأن يمكن الطبائع من مطبعاتها. فالنار متى تمكنت من القطن أحرقت ضرورة ، فليفهم أن القوى الحيوانية المنفعلة عن الطبائع لها نزوع بالطبع إلى مركزها والروح الحيوانية الشهوانية بالطبع والعنصر تميل إلى عنصرها كالحجر يهوي إلى أسفل ، والنفس متى مكنت الجواسيس ابتداء حتى صار لهم ذلك ملكة فذلك لازم ضروري خلقه الله تعالى ، وإنما تعاقب من حيث لم تحرس جواسيسها ابتداء ، وهذا كما أنا نقول للرجل النظرة الأولى فجأة لك حلال ، فإنها لازمة ضرورة فلا يتعلق التكليف عليها ، وإياك والثانية فإن العين إذا انفتحت على صورة جميلة فمالت الطبيعة إلى الطبيعة لزم ذلك
