عند الملك إلى الوزير. ثم من الوزير إلى الحاجب ، ثم إلى المضروب أو المكرم ، والله المثل الأعلى فالرب سبحانه هو المبدأ والطاعات متى خرجت إلى حيز الفعل فهي من الله تعالى ، باتفاق الكافة متى خرجت إلى حيز الفعل فهي من الله تعالى والنفس مثابة على جهة التوسط من حيث إنها آلة ، وما مثل ذلك إلا مثل إكرام الشرع لأجسام الموتى بالتنظيف والأكفان والحنوط والقبور وتحريم إهانتها وإحراقها ، وإن كان لا لحسنة لها في ذلك بل الفضل الإلهي لا حد له. ولا يجري على مقدار. ولو كان البارئ تعالى لا يفعل شيئا إلا باستحقاق الفاعل تحقيقا لمثوبته لم يكن كريما مطلقا ولم يطلق عليه لكن من عدله ، فإن العادل من قارع الحسنة بالحسنة والكريم من وهب من غير يد متقدمة ، فخص تبارك وتعالى الأجسام بالمكرمة من حيث إنها كانت آلات مستعملة في الطاعات مع اتفاق الخلق أن للفعل تحقيقا للأرواح ، فكذلك النفس بالإضافة إلى العقل يكرمها البارئ سبحانه على جهة الوساطة وإن كانت لا فعل لها تحقيقا للمشير بذلك والملهم إليه والمحرك هو العقل. إذ الحاجب وإن شكره المكرم من جهة الملك فالوزير أحق بالشكر من حيث بلغ إليه فليفهم أن العقل مشكور من جهة الوساطة وأن الشكر المجرد والحمد المؤبد لله وحده الذي كان المبدأ ، فلو لم يرد التوفيق من عنده لما كان للعقل ثبوت أصلا إذ هو مربوب ، فالجواد المطلق والكريم المحض هو الله رب العالمين ولم يشك ذو عقل أن الفضائل من الله ، وإنما اختلفوا في الشر فزعمت المعتزلة أن الشر ليس من الله تعالى. ولما رأوا تلازم الأفعال أخرجوا الفعل إلى العبد وجعلوه مستبدا به.
فإن قيل : الإشكال باق فإن الحركة التي هي الصلاة مثلا إن كانت فعلا للعبد فلا مدخل للبارئ تعالى فيها ، وإن كانت لله فلا مدخل للعبد فيها ويستحيل أن يكون الفعل مشتركا كما زعمت الأشعرية.
قلنا : الحركات مضافة إلى الأجسام فبطل التقسيم ، والنفس لا حركة لها في نفسها فإنها إنما لها الإشارة والتدبير والجسم معها كالمغناطيس مع الحديد ، ولا يقال للحديد إذا تحرك إن المغناطيس حل فيه فظهرت الحركة عليه ، بل فعل فيه بخاصيته فبطل السؤال.
فإن قيل : إن بطل في الحركة فلا تخلو النفس عن الإرادة والسؤال في الإرادة باق.
قلنا : إرادة الخير تابعة للعلم ، وقد قدمنا أن النفس تابعة للعقل والتحرك من جهة العقل خير محض فهو محرك من جهة البارئ تعالى ، ولست أعني الحركة الجسمانية ، بل أعني الشوقية النزوعية وهو عكوفها والتفاتها إلى الجنبة العليا ، وحقيقة ذلك راجعة إلى ترك جنبة أسفل ، والترك ليس هو بفعل وإنما هو عدم فعل فهما شيئان : النزوع وهو فعل الله تعالى ، والثاني وهو ترك الأضداد وهي ملاحظة الجنبة السفلى وذلك ترك والترك عدم وليس بفعل.
فإن قيل : الترك إذا كان اختيارا أو اضطرارا لله فالسؤال لازم.
قلنا : هو اختياري من وجه واضطراري من وجه آخر ، وفهم هذا يستدعي تجديد عهد بما سبق ، وهو أن النفس وإن سلطت على العالم الأسفل فهي تتوصل إليه بآلة الجسم ، ثم أفعالها تظهر في الجسم في مواضع عشرة أحصيناها فيما تقدم. فمنها ، الحواس الخمس من الشم والذوق واللمس والسمع والبصر. وهذه علة
