لزوما ضروريا. لو انفرد لم تعاقب النفس عليه ، وإنما تعاقب على إهمالها إشارة العقل في الكف ابتداء ، فمتى تكررت الجواسيس على القوى الباطنة لزم النفس ذلك وشغلها فهي مأمورة أن تلزم الجنبة العليا ، والأمر كله لله تعالى فهو المخترع للأفعال ، وهو موجد الأسباب الأول ، فالمسببات أفعاله فهذا لا حيلة فيه وهذا أقصى الغرض من تكرير هذا المسألة.
وفي الحديث : حاج آدم موسى فقال : أنت الذي أخرج الناس من الجنة؟ فقال : أتلومني على أمر قد قدر علي قبل أن أخلق ، فغلبه آدم عليهالسلام وشهد له رسول الله صلىاللهعليهوسلم حيث قال : " فحاج آدم موسى" فإذا الأشعرية والمعتزلة والمجبرة قد تكلموا على الأفعال الجسمانية ولم تتعرض لها ، وإنما تكلمنا على النزوع الشوقي وجعلناه السبب ووافقنا الجبرية في الأفعال الجسمانية. وهذا منتهى للكلام في الجنس الإنساني من الحيوان.
وأما حركات البهائم فهم موكلون بالجنبة السفلى ، عاكفون عليها لا علم لهم بالجنبة العليا ، وكيف تنكر ذلك وأنت تبصر كثيرا من الخلق كأصناف السودان وغيرهم لا فرق بينهم وبين البهائم لا يعرفون الملائكة ولا بارئهم ، بل يعبدون الثمار والأشجار كما قال تعالى : (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُ) [الفرقان : ٤٤]. ومحرك الحيوان ما تورد الحواس على القوة المتخيلة فهي فيهم كالقوة العقلية ، فالدابة تتأدب بآداب القوة الخيالية متى انتقش فيها أمر محذور ، فإنها إذا رأته حذرته وذلك أمر نافع ولا يبعد أن تكون لها قوة الحافظة تحفظ بها الصور.
وأما العوالم العلوية فترتيب حركاتها لا يحيط بها إلا الله تعالى وحده العالم بمبدئها ، وإنما أدركنا منها ما تكرر علينا بالتجربة أو بإشارة العقل إليه إشارة جميلة. وذلك كنمو أجسامنا بالأغذية والأغذية من النباتات والنباتات كائنة من الماء والتراب فهي منفعلات عن الهواء والنار وهما كالفاعلين ، وهذان بالإضافة إلى الماء والتراب يكونان فاعلين بمعنى حصول التأثير لهما حصول الذبح بالسكين ، ولكن إذا انفردت الشاة ، والسكين لم يتم الفعل أصلا ولا بدّ من سبب جامع ، والنار والهواء امتزجت معهما أشعة الكواكب وازدحمت في منقعر فلك القمر ودارت بالأرض كرتها كما تدور الهالة بالقمر ، ثم هذه الأشعة تتحرك بمحركات هي تابعة لها وهي الكواكب السبعة ، وقد زعمت الفلاسفة أن هذه الكواكب حية وأنها مع العالم الأسفل كنحن مع أجسامنا. وأن لها الفعل الاختياري والفعل الاضطراري. وهذا ابتداع لا ننكره فلم يدل على إبطاله كتاب ولا سنة ولا إجماع ، ومن أنكر كون ذلك من الناس فعلى طريق التغليط ولا برهان البتة ، فلنجعل ذلك جائزا إذ مذهبنا أن البارئ تعالى هو الفاعل المطلق وأنه مسبب الأسباب وموكلها بمسبباتها ، فسواء على مذهبنا كانت حية أو جمادا فقصارى الأمر أن تكون كنحن ولا ننكر وجودنا ولا تصرفنا عالمنا ، ومنافرة هذا رعونة محضة وحماقة تامة ، ولنقل قولا يهون ذلك فربما زعم السامع أن تكون الملائكة مرئية والظواهر دلت على أنها محجوبة فنقول : الموجودات على ثلاث مراتب موجودات تعقل وهي موجودة ولا ترى. وهي العقول
