والطرق الرشيدة ، عارفا بعواقب الأمور وقد أحللته من نفسي بمنزلة الوزير وأكرمتك بأن جعلته وزيرك فاحذر أن تنفذ أمرا دونه ولا تغتر بما جعلته في طباع العبيد من طاعتك ولا بما جعلت في نفسك من القوة فما غبن من استشار ، وهذا الوزير الذي يستمد من آرائي في كل حين فقد تحققت ذلك منه لأنه لا يعصيني طرفة عين فصار العبد في الثغر بهذه الثلاثة أشياء. فمثال النفس مثال العبد ، ومثال الثغر مثال الجسم ، ومثال ما فيه من العدد والأقوات مثال ما في الجسم من الطبائع والقوى حسب ما ذكرناه في المعراج الأول. ومثال لوازم الثغر ونوائبه مثال ما يقوم به الجسم من الأغذية والمنافع ، ومثال الوزير مثال العقل ، ومثال الملك مثال البارئ تعالى وله المثل الأعلى.
فإذا فهمت هذا فاعلم أن النفس منبثة القوى في الجسم كما قدمناه ، وأن الله تعالى سخر الله الحواس الباطنة والأعضاء الظاهرة بالطبع فمتى تحركت إلى أمر ما تأتي هذا في طباعها ما لم يمنع مانع من ذلك الأمر. فإن اعتبرنا جهة المنفعل فهي مضطرة ، وإن اعتبرنا جهة النفس في نزوعها وانبعاثها للمطلوب وسبب حركتها هل هو إرادي أو اضطراري ، قلنا : هذا محل غموض عجز أكثر الخلق فيه عن النهوض وذلك لبعد غوره ودقة مسلكه ، وهذه المسألة المعروفة بالقدر والنزاع فيها من خلق آدم عليهالسلام إلى هلم جرا ، وحقنا لضعف قوانا وقلة استعمال عقولنا الموهومة لنا واشتغالنا بالرذائل الدنيوية والخداع الخزعبلاتية أن لا نتعرض لهذا المقام ، فلكل مقام مقال ولكل طريقة رجال ، ولكن نخوضها خوض الجبان الحذور لا خوض الشجاع الجسور ، فتقول : قد قدمنا انقسام الحركات وإن بناء الكلام على حركات الإنسان ولا شك أن منها الضرورية والاختيارية.
فأما الضرورية ، فطبيعة لازمة سنتكلم عليها عند تكلمنا عليها إن شاء الله تعالى كلمة ولم يختلف أحد فيها أنه لا يتعلق بها ثواب وعقاب ، وأما النزاع في الاختيارية فإن هذه مرتبطة بالتكاليف فلا بدّ من فهم المثال الأول فهو تمهيد قدمناه لهذا الموضع ، فنقول قد قدمنا أن للنفس جنبتين مثلنا ذلك بالوزير والثغر ، فالجنبة العالية جنبة الوزير والجنبة الخسيسة جنبة الثغر ، فمتى كانت النفس تحركت نحو الفضائل فذلك تلقف عن العقل والعقل عن بارئه فهي مثابة على تحركها ونزوعها إلى غرض مولاها ، والمفعولات واقعة بفعل الله تعالى وتحركها نعني عند انبعاث الداعية عند إنصاتها إلى العقل وحقيقة الإضراب عن الثغر ودواعيه واستعمال العلم بتنظيف المحل إذ لا يرد إلا على محل قابل له بإزالتها الصوارف والموانع بإشارة العقل ، وتدبيره هي مثابة عليه من حيث إنها واسطة إلى انفعال الأجسام ، وكثيرا ما قدمنا أن العالم منقسم إلى عقول فاعلة مجردة. وهي الشريفة ، وإلى أجسام ، خسيسة وهي الكثيفة التي هي المفعولة كما أن العقول فاعلة. ولما استحال على العقول المجردة المباشرة وكانت في طرف من مضادة الأجسام كما أن العلم في طرف والجهل في طرف ، وكان ضدا مطلقا قضت الحكمة الإلهية لها بأن أظهرت تأثيرها بتدريج فجعلت نفسا ممتزجة تشبه العقول من وجه والأجسام من وجه ، وذلك راجع إلى مناسبة والمناسبة راجعة إلى وجهين : إما إلى جنبة أسفل فبالرذائل ، وإما إلى جنبة أعلى فبالفضائل. فالنفس معلقة بينهما والأجسام تنفعل للنفوس والنفوس للعقول والعقول للبارئ سبحانه ، فالمبدأ الأول هو الإله فخروج الأمر من عنده كخروج الأمر من
