وإذا فهمت هذا فاعلم أن الحركات ثلاثة : إما على الوسط كتحرك الأفلاك ، وإما من الوسط كالهواء والأبخرة الصاعدة علوا ، وإما إلى الوسط كحركة الحجر إلى أسفل يطلب مركزه بطبع فيه. ثم هذه الحركة ضربان : ضرورية واختيارية ، ولها نسبتان : نسبة نفسها ونسبة إلى بارئها فمتى أضيف فعلها إلى بارئها فهو مختار لها بأجمعها ليس شيء منها إلا بتدبيره وحكمة وقضائه وحكمه له اقتضت كونها على جهة مخصوصة وزمان معين وشخص معين تقدمت تلك الحركة أو تأخرت كانت بالقوة أو بالفعل. وهذا مبرهن لازم ضرورة.
وأما النسبة الثانية وهي نسبتها إلى المتحركين فتنقسم ثلاثة أقسام : إما مختارة وهذا يختص بالحيوان ، وإما مضطرة وهذا يشمل الجماد والحيوان وهو إما ملازم وإما عرضي.
فأما الأفعال المختارة فهي موقوفة على إشارة النفس وتحركها والأشياء التي تحت النفس طائعة لها انطياع النفس لبارئها جعل ذلك في طبيعة الخلقة والنفس منفعلة بإشارة العقل والعقل منفعل لبارئه تعالى. وأما نفوس الملائكة فحركتهم الاختيارية عن عقولهم وعقولهم عن بارئهم فلا عصيان في أفعالهم البتة كما قال الله تعالى : (لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ) [التحريم : ٦]. فهم أبدا جارون على علم بارئهم تعالى وموافقون لما يرضاه. وأما غير ذلك من الحيوانات المركبة من المواد فلما لم تكن مجردة عن المادة وكان لها علوق بالأبدان وكان للنفس جنبتان : جنبة إلى الملأ الأعلى وجنبة إلى العالم الأسفل ، ونعني بذلك كونها بالفصل المشترك أي هي مأمورة بأن تراعي جهتين جهة الملائكة بأن تكون متشبهة في الفضائل بها وأن تكون عاكفة كعكوفهم على عبادة بارئهم ، فهذه جنبة أمرت بمراعاتها.
الجنبة الثانية : وهي الجنبة السفلى وهي علاقتها بالجسم المنفعل من المواد المركبة من الطباع وهي مولعة بإصلاحه وسياسته كالملك الذي عمر بلده وولع بسد ثغره وإصلاح رعاياه وعمارة أرضه ومقابلة عدوه وجلب المنافع إليه ودفع المضار عنه ، وصارت النفس متحيرة تطالبها الجنبتان كل واحدة بأن توفيها من العدل قسطها وتجريها على القانون العدل والسيرة الإلهية. ولما خلقها الله تعالى على هذا النسق والترتيب خصت الحكمة الإلهية الإنسان بأن أعانه وقواه وأعطاه أدوات ومكنه من الجنبتين وأيده من جهة الجنبة العليا بالعقل ليتلقف به عن ملائكة الله ورسله ويفهم به مراد بارئه ، فكان حاله مع النفس كعبد بعث إلى ثغر بعثه ملك مطاع الأوامر مخوف الزواجر فأمره بسد الثغور وإدرار الأقوات ومقاتلة الأعداء وأن يطابق غرضه مع بعده عنه ، ثم قال : قد مكنتك من ثلاثة أشياء : تكون عونا لك ولا حجة لك على بعدها أحدها الثغر الذي بعثتك إليه ، فقد أكملت قصوره ودوره وحصونه وجدرانه وأنهاره وأشجاره وثماره وآلاته ما تكررت وتناهت.
الثاني : دفعت إليك عبيدا وأعوانا وخداما وجعلت في طباعهم الانفعال لك فمر بما شئت فيهم تمتثل إن شئت من حق أو باطل ، لا يخالفون رغبتك ولا يعصون إمرتك ، فعليك بالسيرة الحسنة فيهم ولا تغتر بتمكيني فإني ذو بطش شديد وإن حلمت.
الثالث : إني دفعت إليك وزيرا حكيما عليما متطلعا على ما في العالم بأسره عالما بالسيرة الحميدة
