بجزئيات العالم ، وقد أقروا بأن الفلك مسخر لمدبر عليم قاصد بحركته التقرب لبارئه تعالى ، فمن أولى باتصاف الكمال السيد أو العبد فسبحانه ذي العرش المجيد والبطش الشديد (ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق : ١٨]. وهو أدنى إلى عبده من حبل الوريد (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [المجادلة : ٧]. وقال تعالى (وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) [الأنعام : ٥٩]. وهذه الآية من الآي التي هي أم الكتاب ، فذكر تعالى أن عنده مفاتح الغيب. ومن قام عنده البرهان بما تقدم طلب معنى تحمل المفاتح عليه ، وقد اهتدت الفلاسفة إليه لو أضافوا ذلك إلى رب العزة ، فإن الأسباب ومسبباتها علمها عزوجل ولا يصح أن يعلمها أولا ثم لا يعلمها بعد حدوثها إذ ذاك يؤدي إلى تغيره ، ويبطل أن يعلمها علما كليا ثم تستجد له علم عند حدوثها وذلك أيضا باطل ، وصح أن الله تعالى عالم بها قبل كونها علما بدقائقها لا يعدوه ، فلو صح أن يتعداه لخرج عن كونه عالما بها. وإذا ثبت ذلك بحسب ما ترتب في العلم ترتب في الوجود فلا يعدو منها شيء علمه وإن أردت مثلا فالخبز لا يخبز ما لم يكن عجينا ، ولا يصح أن يكون عجينا ما لم يكون دقيقا ، ولا يصح أن يكون دقيقا ما لم يكن قمحا ، ولا بد من طحنها ولا بدّ من حجر طحين ومن محرك للرحى وصفات المحرك. فهذه أسباب لازمة ضرورية لا بدّ منها ، فهكذا فافهم البارئ مع علله تبارك وتعالى ، فالأسباب هي المفاتيح والمسببات هي المفتوحات بها ، ولا يصح أن يستولي عليها غيره ومن علم بعضها فبتعلمه ومن علم بعضا لا يأتي عليه جميعا كائنا من كان نبيا مرسلا أو ملكا مقربا ، وذكر تعالى الظلمة نهاية في تعظيم علمه بالأشياء الغامضة التي في غاية الغموض ، وكذلك ذكر الرطب واليابس من حيث إن كل رطب يقتضي البارد والحار وكذلك لليابس إذ ذاك من ضرورته.
فالسماوات والأرض وما فيهما في علمه وله المثل الأعلى كسفرة بين يدي أحدنا يدير ما فيها بما يشاء وعلمه بجزئيات الأمور وما بينهما إلى علمه وقدرته أنزر وأحقر من نسبة السفرة إلى إحاطة علم بما لا يتقدر ولا يتناهى ، وإنما هو ضرب مثل لكنه تعالى تقدس عن الجوارح والأدوات والمباشرة وكان اللائق بجلاله أن تنفعل له الأشياء بمجرد قصوده لكونها ، ولكن خص بعلمه وحكمته أن يكون العالم على نظام وترتيب ليترتب بعضه على بعض ، وهذا نعلمه بالضرورة ولا ينكر ولا يتمارى فيه ولا استحالة فيه. وإنما الممتنع أن يكون في ملكه ما لا يريد أو يفعل شيئا محدث دونه أو يحدث ما لا يعلم في ملكه تعالى وتقدس عن ذلك سبحانه. وإذا حصلت ما تقدم علمت أن مبدأ الحركة منه تعالى إذ قام عندك برهان على جري العالم كله وترتيبه على علمه السابق وأن علمه لا يتغير ، وتقدم لك أن العالم منفعل له وأنه غير مباشر لذلك إذ ليس بجسم مقدر ولا بعرض ولا جوهر والعالم منفعل له ، وذلك لازم للعالم لزوما ضروريا وهو تعالى مختار والحديد منطبع للمغناطيس بخاصية فيه. وهذا في عالم الحس فما ظنك برب العزة ذي الجلال والكمال؟
