مطابقة على ما سبق به العلم ، فإطلاق الإرادة في هذا الموضع على معنى أن المراد معلوم ونظم القياس كل مراد معلوم ، وكل معلوم جار على ما أراد الله تعالى ، وكل مراد جار على ما علم الله تعالى. وإذا صح أن يكون العلم علة المراد الذي في القوة فما هو بالفعل تابع لما في القوة والأمر ظاهر ، فما خرج إلى الفعل فنفس حدوثه دليل على إيقاع الله تعالى له وإيقاعه له هو المطلوب بالإرادة تابعة للعلم.
فإن قيل : فالمعلومات هل هي متناهية أو لا متناهية؟
قلنا : هذا السؤال يفتقر إلى تفصيل فلا يخلو السائل أن يضيف التناهي إلى المعلومات فمن ضرورة العقل أن يكون المعلوم محاطا به ، وكل محاط به فمحدود ، وكل محدود متناه فكل معلوم متناه كان المعلوم في القوة أو خرج إلى الفعل ، فإذا العالم بأسره من الكرة التاسعة وما يحويه وتوابعها من أجناسها وأنواعها وأشخاصها وما يلزم عنه متناه محصور في علم الله تعالى.
فإن قيل : هذا مسلم ولكن السؤال هل البارئ تعالى عالم بما لا يتناهى أم لا؟
قيل : هذا سؤال مستحيل من هذا الوجه فإن كل معلوم متناه فكان حاصل السؤال أن نقول كل غير متناه أم لا. وهذا انحراف عن صوب الصواب.
فإن قيل : فهل يقال يصلح أن يكون العلم حاصرا لما يتناهى أو لا؟
قلنا : العلم في نفسه لا يصح الاتصاف به متى فرض إلا مضافا إلى معلوم وإلا بطلت خاصية العلم فمتى أضيف كان المعلوم منحصرا. فبقي أن يقال ذلك على وجه واحد وهو أن يكون العلم القديم يتعلق بأن عوالم تتعاقب وهي متى أضيفت إلى نفسها انحصرت ، ومتى أضيف الحصر والتناهي إلى علم الله تعالى بطل لأن العلم لا يقال فيه متناه أو غير متناه ، وهذا أصل الغلط فربما ظن من لا حقيقة عنده أن المعلومات متى كانت متناهية كان علم الله تعالى متناهيا ، وهيهات ما قدروا الله حق قدره ، فالمعلومات هي المتصفة بالنهاية من حيث تقبل التناهي حتى زعم أكثر المتكلمين أن الكيفيات لا يقال متناهية أو غير متناهية ، فكيف بعلم البارئ تعالى؟ فإنه ليس من قبيل الأعراض ولا من قبيل الجواهر ، فكيفما أدرت المسألة رجع حكم النهاية إلى المعلوم لا إلى العلم وذلك لا نقص من قدر الله تعالى ولا يقال له بذلك عاجز.
الفصل الثالث في ترتيب الحركات
لا خفاء على ذي بصيرة أحاط علما بما قررناه من افتقار العالم إلى البارئ تعالى وإثبات العلم له ، فإن المعلوم لا يخرج عن العلم إذ ذرة في السماوات أو في الأرض لا تتحرك أو تسكن إلا وهي مقيدة في علم البارئ تعالى في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ، وما من حركة ولا قبض ولا بسط ولا وسوسة ولا هاجس إلا والبارئ تعالى عالم بذلك الآن كعلمه في الأزل وكعلمه بعد انقضاء الفعل ، وكيف لا وقد قدمناه أن أكثر المنتمين إلى الحذق والعلم بالإله جل جلاله برهنوا على أن الفلك عالم
