قلنا : ذهبت المعتزلة إلى أن ذاته عين علمه ، وذهبت الأشعرية وأكثر الفرق إلى أن علمه غير ذاته. والذي اعتقده أن الله سبحانه عالم وقد قام الدليل على علمه ، فهذه مقدمة المقدمة الثانية إن ثبت أن إثبات كون العلم مغايرا للذات محال ، وذلك أن نقول لا يخلو العلم أن يكون نفس الذات وهذا لا نعتقده ، أو نقول إنه زائد عليها وهو مذهبكم. فإن كان زائدا عليها فلا يخلو أن يستقل دون الذات بأن يكون واجب الوجود أو تكون الذات شرطا فيه ، فإن استقل دون الذات وكان قديما قائما بنفسه فهما إلهان الذات والعلم وذلك محال.
فإن قيل : الذات من شرطه؟
قلنا : لا يخلو أن يكون قديما أو محدثا. فإن كان قديما بطل أن يكون القديم شرط القديم ، وإن كان محدثا فلا يخلو إما أن يقوم بذات البارئ تعالى أو بغيره ، فإن قام به لزم قيام الحوادث بذاته وهذا باطل وإن كان بغيره فالعلم إذا ليس من صفات ذاته.
فإن قيل : فهذا إذا نفس اعتقاد المعتزلة. قلت : نفارقهم بفضل وهو أن مذهبنا أن الله سبحانه عالم بالكليات والجزئيات ولا يطلق عليه لا علمه ذاته ولا غيرها لأن التحكم بإضافة اسم إلى البارئ تعالى وإطلاقه طريقة الشرع ، وليس في حكم الشرع ما يدل على أن العلم زائد ، بل ورد ذلك مطلقا وشهدت أدلة العقول على أن الله تعالى عالم ، وأن العلم لا يصح أن يكون موجودا قديما قائما بنفسه مستغنيا عن البارئ تعالى وبطل أيضا أن يكون قديما يفتقر إلى شرط.
الفصل الثاني في أنه مريد للكائنات
هذا الفصل معقود للإرادة. وهي مسألة مشكلة وعليها انبنى تعطيل المعطلة فلا بدّ من تفصيل القول فيها إن شاء الله تعالى ، فنقول : الإرادة حقيقتها المفهومة إجماع النفس على الفعل عند انبساط القوة النزوعية ، ويحركها إليه في القوة الخيالية شيء يرغب فيه أو يهرب عنه ، وهذا الوصف مستحيل في ذات البارئ تعالى ، فإذا الإرادة الإلهية عبارة عن إيقاعه الفعل مع أنه غير ذاهل عنه فالقصد إلى إحداث المحدث والعمد إليه سمي إرادة. وحقيقة ذلك تئول إلى خروج الفعل من القوة إلى الفعل. وقد قام الدليل على أن الله تعالى عالم وأنه مبدئ العالم وثبت افتقار العالم إليه ، واتفق على ذلك الكافة وإن سموه علة فقد أطبقوا على أن العالم لا قوام له دونه وثبت علمه به وعلمه تعالى بالمعلومات فيما كان أو يكون على وتيرة واحدة لا يتغير ولا يجهل ولا يذهل. والعلم متى أضيف إليه فهو قبل الفعل أبدا ودائما بعده ثم تعلق العلم بأنه سيكون إذا أضيف إلى جهة المعلومات فتنقسم المعلومات في حقه إلى ما يكون وإلى ما كان فكل ما يكون فهو في القوة وما كان فقد خرج إلى الفعل فتغير حال المعلوم لا العلم.
وهذه قاعدة عظيمة إذا فهمت على هذه الرتبة ، وإذا تقرر هذا فكل ما هو في القوة سيكون فالرب سبحانه مريد لأن يكون من حيث رتب تعالى الأسباب على ما جرى به علمه فهي
