يخلو علمهما لها إما أن يتطابقا أو يتضادا ، ومتى تطابقا أو تضادا فهو نقصان لمن يستحق الكمال الأتم ، وقد اتفقوا على أن البارئ تعالى منفرد بذلك.
القسم الثالث : ما ذكرناه في القسمين السابقين ينقسم إلى ما لا يصح ولا يقوم عليه برهان وإلى ما يقوم عليه برهان ، كعلمنا أن السماوات متحركة وأن الحركات مختلفة في التغريب والتشريق واختلاف المطالع والمغارب وتعلق الحوادث بذلك ، لكنا نزعم أن ذلك تابع لإرادة البارئ سبحانه وعلمه في كل دقيقة من الزمان وهم يزعمون أن السماء ونفوس الأفلاك مستقلة بذلك من جهة إرادتها وعلمها ، فنجعل هذا القسم ثلاثة فصول :
الفصل الأول : في أن الله سبحانه عالم بالمعلومات.
الفصل الثاني : أنه مريد للكائنات.
الفصل الثالث : في غرض القسم في ترتيب الحركات.
الفصل الأول في أن الله سبحانه عالم بالمعلومات
اتفق المثبتون للصانع على أن الله تعالى عالم ، واختلفوا فيما هو به عالم وهل علمه زائد عليه أم لا. وهذا الاتفاق في إثبات العلم كاف ونزيده بيانا أن تقول لا يخلو العالم أن يكون له محدث أو لا محدث له ، فإن لم يكن له محدث بطل بما قدمناه. وإن كان له محدث لم يخل أن يحدثه وهو عالم به أو غير عالم به. فإن قيل : أحدثه ولا علم له به فهو إما مقهور أو ذاهل وهذا باطل إذ ذاك محال وقد تقدم ما ينفيه فلم يبق إلا أنه عالم. فإن قيل : هو عالم ولكن بالكليات ، وأما بالجزئيات فذلك يوجب تجدد علمه بتجدد الوارد وذلك باطل ، والذي يلزم في حدوث جزء منه ، فإن الحدوث لا يختلف فلو صح أن تحدث خردلة دون علمه لجاز أن تحدث السماء دون علمه.
فإن قيل : سلمنا أن محدثا لا يحدث وهو لا يعلم به ، بل للملائكة الموكلين بذلك في علمهم بالمعلومات استقلال وهذا منتهى شبههم.
قلنا : ذلك محال فإن البارئ سبحانه عندكم عقل محض ومن شرط العقل المحض المبرأ عن المادة أن لا يجهل معلوما ، وإنما طرأ الجهل على الإنسان من حيث هو في مادة فاشتغل بها عن غيرها. فنقول : قد علمتم أن السماء عالمة بالجزئيات فهلا أوجبتم ذلك لرب العزة على الوجه الذي أثبتموه للسماء؟ فإن قالوا : يلزم طروء الحوادث عليه. قلنا : لا يلزم لأن علمه قديم علم ما يكون من تركيبات العالم وانتقالاته إلى منتهى وعلى أصلكم من حيث علم الأسباب الأول يلزمه علمها وعلم توابعها وتوابع توابعها ، فإن من علم علم المسبب وما من سبب إلا وله مسبب هكذا إلى منقطع السلسلة. ثم الحدوث والتغير يطرءان على الحوادث وهي جارية على ما علم فعلمه واحد لا يتغير وإنما تغيرت هي من حيث علم تغيرها في علمه أنها يترتب بعضها على بعض.
فإن قيل : فهل علمه زائد على ذاته أو هو عين ذاته؟
