بها بطلت كالحذر والموت وهذا مشاهد لا يفتقر إلى دليل. والقوى تنقسم إلى قسمين إلى محركة وإلى مدركة ، والمدركة قسمان : ظاهرة وباطنة ، فالظاهرة ما ذكرناه والباطنة ثلاث :
أحدها : الخيالية والوهمية والفكرية ، فالخيالية في مقدم الدماغ وراء القوة المبصرة خاصيتها بقاء صور الأشياء المرئية فيها بعد تغميض العين وانقطاع ما يدركه الحواس ويسمى الحس المشترك.
الثانية : الوهمية وهي التي تدرك المعاني ، فالأولى مختصة بقوى المعاني وصورها وموادها. وهذه تحفظ المعاني دون صورها وموادها إذ تدرك الشاة عداوة الذئب مجردة فتنفر عنه. والسخلة تدرك حنان الأم فتألفها ومحلها التجويف الأخير من الدماغ.
الثالثة : القوة المفكرة وشأنها أن تركب الصور بعضها مع بعض. وهي في التجويف الأوسط بين حافظ الصور وحافظ المعاني فهي حائكة وهي المرادة برمز القائل :
|
رجلان خياط وآخر حائك |
|
متقابلان على السماك الأعزل |
|
ما زال ينسج ذاك خرقة مدبر |
|
ويخيط صاحبه ثياب المقبل |
ومواضع هذه القوى مبرهنة بصناعة الطب ، فإن الآفات متى نزلت بهذه المواضع عدمت هذه المدركات ، وزعموا أن القوة التي تنطبع فيها صور المحسوسات تحفظ تلك الصور فتبقى فيها بعد قبولها بحسب الحواس الخمس إذا تكرر ذلك عليها والشيء يحفظ الشيء بغير القوة التي بها يقبل إذ الماء يقبل الانطباع ولا يحفظ بخلاف الشمع فإنه يقبل بالرطوبة ويحفظ باليبس والحافظة تصون المتخيلة كما أن القوى الذاكرة تصون الحافظة. والقوى المحركة إما باعثة على الحركة. وإما مباشرة للحركة. فالباعثة هي القوة النزوعية الشوقية ومتى رأت أمرا يترغب فيه أو يترهب منه بعثت القوة المحركة المباشرة على الفعل ، فتنبعث في الأعصاب والعضلات والرباطات من القلب. إما ببسط عن جهة المبدأ وإما بقبض إليه إذ هي إذا فرحت نشرت الدماء في العروق فكان الفرح. وإذا حزنت انجذبت فانجذب الروح الحيواني إلى القلب فاغتم وحزن. ثم من شأن النفس إدراك المعلومات المغيبة. ولها قوتان إما عملية وإما علمية. فالعملية قوة هي مبدأ محرك لبدن الإنسان إلى الصناعات الإنسانية. وأما العلمية فهي المدركة لحقائق العلوم مجردة عن المادة والصورة. وهي القضايا الكلية المجردة وهي للعقل وبهذه القوة تتلقف عن الملائكة العلوم. وبالقوة الثانية تصلح ما وكلت به من الأمور الجسمانية. وهذه الأمور كلها محسوسة يستند برهانها إلى الحس فلا نطول بتمهيده كما أن ما ذكرناه من الجسمانية أكثرها محسوس وما غاب فقلدنا فيه المعتنين بالتشريح على أنه أكثر ما يوصف. وإذا فهمت الجسم والقوى الحيوانية وأن النفس هي المحركة الباعثة وأن قواها باعتبار الإضافة إلى المواضع كان كالثوب الواحد يسمى موضع منه كما وموضع منه طوقا وموضع منه جيبا. وقد قدمنا أن لها قوتين عملية وعلمية. وأن العلمية مستعدة لقبول العلوم إلى ما لا يتناهى بالقوة وأن الجسم منفعل للقوى المحركة والمحركة العملية تحت هذه العلمية الشوقية النزوعية. ومنها مبدأ الفعل إلى أن يبرز ويظهر.
