عليهمالسلام ليس كذلك ، فإن المسألة في نهاية الغموض والأذهان أكثرها ضعيفة فربما لم تفهم مقاصدهم فتعترض من قولهم على قولهم فلم يوردوا فيها إلا إشارات ورموزا. وفي القرآن العزيز : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء : ٨٥]. وقال تعالى في عيسى عليهالسلام : (وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) [النساء : ١٧١]. وقال النبي صلىاللهعليهوسلم : " أرواح الشّهداء في حواصل طيور خضر". وهذه كلها ظاهرة عند العلماء مكشوفة وعند غيرهم غير معقولة ، وقد اختلف الناس فيها على مر السنين والأيام ، فزعم أفلاطون أن النفس والروح واحدة وهي النفس الكلية وأنها مع الأبدان كالشمس مع الأرض تنثر شعاعها على المواضع فيأخذ كل موضع نصيبه على قدره ، وزعم أنها تألف الجسم بضرب من المناسبة بالطبع فإذا حصلت فيه ألفته وشغفت به ولا تزال فيه وليس هي عنده حالة في الأجسام ، وإنما هي كالمغناطيس مع الحديد في الملازمة والانفعال ومناسبة الطبيعة. وليس أحدهما حالا في الثاني لكن ينفعل له بضرب من واسطة خفية هي الطبع ولا تزال فيه إلى أن يفسد البدن ، كما أن الحديد يخلق مع طول المدة فلا يقبل تجاذب المغناطيس.
وزعم آخرون أن النفس عرض وأن حقيقة الحياة معنى يكون عند اعتدال المزاج ، فإذا مات الإنسان فنيت روحه وهؤلاء ذاهبون إلى أن النفس محدثة ، وزعم أفلاطون أنها قديمة ، وذهبت فرقة ثالثة إلى أنها محدثة عند حدوث البدن وهي مع ذلك لا تفنى. ومن حقق من الفلاسفة على هذا المذهب والأكثر على مذهب أفلاطون. وسنكشف إن شاء الله تعالى غائلة مذهبهم في المعراج الثالث : حدوث العالم الأعلى. فلنرسم هاهنا ثلاثة فصول :
الفصل الأول : في قوى النفس وعلة تحرك البدن بها.
الفصل الثاني : في كون النفس جوهرا غير متحيز قائما بنفسه مستغنيا عن المحل.
الفصل الثالث : في أن النفس لا تعدم وأنها باقية.
الفصل الأول في قوى النفس وعلة تحرك البدن بها
ربما اعتقد من لا تحقيق لديه أن الشرع يزجر عن التعرض لهذا القدر في تصحيح أو إبطال وليس في الشرع دليل يدل على ذلك وقوله سبحانه : (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي). جواب مقنع إذا فهم الأمر بما هو عليه ولو أراد تعالى الزجر لذكر الحكم عليه وقد كشفنا عن القوى الجسمانية وهذا الجسم يجري من النفس مجرى الثوب من الجسم ، فإن الجسم يحرك الثوب بواسطة أعضائه ، والنفس تحرك البدن بواسطة قوى خفية ومناسبة. وقوى النفس تظهر في مواضع من البدن ، وربما بلغت عشرا نذكرها والنفس في ذاتها واحدة وإنما ترجع التسمية إلى الآلة كقولنا سمع وبصر وشم وذوق ولمس. والنفس هي الذائقة الشامة المدركة ، فهذه خمس قوى ظاهرة ، والدليل على أن النفس هي المدركة دون هذه الأعضاء أن العروق متى حدث بها سدد تمنع اتصال النفس
