يصدر عن جماد. فإن الجماد لا يوصف بالفاعل. وبطل أن يصدر عن مخلوق حي طبيعة أو غيرها ، فإنا نقول : الطبيعة ما معناها فلا تخلو أن تكون جمادا أو حيا. فإن كان جمادا كان القول فيه ما تقدم ، وإن كان حيا قلنا هذا الحي لا يخلو أن يكون له فاعل أو لا فاعل له.
فإن قيل : له فاعل آخر فالطبيعة كآدم في افتقارها إلى محدث. وإن كانت الطبيعة حية لا فاعل لها ولا علة فهي الإله فأسقطوا لفظ الطبيعة وقولوا إله. فهو الذي نريد بيانه ، فإن حوادث لا أولية لها محال إلا إذا قلنا فعلت الطبيعة طبيعة فذلك منتف فلا بدّ من استناد الحوادث إلى مبدأ لا علة له وليس بمعلول أصلا. وهذا يبطل اعتقاد من يقول آدم من آدم آخر.
قلنا : نتبعه فيلزمه التسلسل وهو محال فصح أن الشكل الإنساني تنتهض منه الدلالة على بارئه ومصوره مع ما فيه من العجائب الدالة على العالم فليس في العالم أمر غريب مشكل إلا وفيه مفتاح علمه. فالله تبارك وتعالى خلقه على مضاهاة العالم ، فهو نسخة مختصرة منه. ومن تأمل أحوال الأنبياء ومعجزاتهم وكرامات الأولياء وما جعل الله سبحانه في قوى النفس بل يشاهده كل أحد من نفسه في المنامات التي تعلم بمغيبات الأمور وعاقبتها ، وما يبصره الانسان في النوم من السماء والأرض والبحار وسعتها. وهو لا يتسع بمقدار ما يبصره كما أنه يبصر السماء على سعتها بعين وهي في دور الدرهم. وهذا من الأمر العجيب علم أن لهذه العجائب مدبرا دبرها وصانعا أتقنها ، وعجائب الإنسان لا تحصى بل فيه من الخواص عجائب مما يستعمله الأطباء منه. فسبحان الفاطر العليم.
المعراج الثاني
ولما فرغنا في المعراج الأول من معاملة أصحابه بالسهل من الحكمة والقريب الظاهر من الدلالة التي لا يخفى نورها ولا يتلعثم فيها إلا من جعل له الرأي المعكوس والمثل المنكوس : (وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ) [الرعد : ٣٣]. فلنرتق إلى المعراج الثاني : وهذا المعراج لطبقتين : للمحققين الأذكياء والمتحذقين الأتقياء. وهو لتقرير النفس وهل هي باقية أم لا؟ وهذا المعراج كالقطب لسائر العلوم وله يجتهد المجتهدون ويعمل العاملون ولا فائدة أعظم منه ، فإن نبوة الأنبياء والثواب والعقاب والجنة والنار وسائر أنباء الدنيا والآخرة المأخوذة عن الرسل لا تثبت متى أبطلت هذه المسألة ، فإن النفس إذا لم يكن لها بقاء فجميع ما أخبرنا به وأطمعنا فيه فباطل وبحسب ما نثق به من هذه المسألة نجتهد. وبحسب ما يغيب عنا ننظر ، وبهذه المسألة كفرت الزنادقة فإنهم اعتقدوا أن حقيقة الإنسان مزاج معتدل كالنبات متى اعتدلت قواه بقي ، ومتى غلب عليه حر أو برد فسد ودثر. ثم لا ترتجى بعد ذلك موتا ولا حياة ولا نشورا ، فاستخفوا لذلك بالخلق واستهانوا بالأنبياء كقول أمية بن خلف لأحد الصحابة : لأوتين مالا وولدا. وذلك لأنه استخف وقال أنتم تزعمون أنكم أصحاب أموال في الآخرة وسيكون لي هناك مال وسأقضيك منه.
وعلى هذا المعراج يدور الناس فهو أس العلوم وإذا اضمحل فلا ثابت ، ولذلك لم تبينه الرسل والله أعلم ، لأن كلام غيرهم بين أن يقبل أو يرد أو يصدق أو يكذب ، وكلام الرسل
