واعلم أن هذه الأحوال والمقامات لا يصدقها إلا من عرفها ، كما لا يصدق علم الكيمياء إلا من عالجه وعرفه ، فكل من يكلم عند الصانع الواصل العليم فقد هدي ، فإن الأعمى لا يبصر القمر ، والزمن لا يعدو خلف الطريدة. وأنت تغيب وليس فيك نصيب ، ولا أنت محب ولا حبيب ، بطنك ملاءة وعينك محيطة ولسانك معقود ، وعلمك قليل وأملك طويل ، وذنبك عزيز وربك بصير. فاسمع مناديك في جانب واديك قال : لا تعب الحرائر حتى تكون مثلهم ، واخش بمفلح نادى من وراء اللوح. فأحسن الظن فإنك قد طرحت فطرحت ، وجرحت فجرحت ، ولو أوصلت لوصلت ، ولو خدمت لخدمت ، لكنك متشبت تجعل ط م ع وهي خالية من النقط فهلكت وما ملكت ، وما فاتك فاتك والندم تجده عند وفاتك. واعلم أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (شعر) :
|
قل للكئيب المعنى |
|
إلى متى تتعنّى |
|
فلا حياتك تصفو |
|
ولا بنا تتهنّى |
المقالة الثانية والعشرون
في الأذكار
واعلم أن الآيات الدالات على الذكر والأخبار كثيرة ، فمن ذلك قوله تعالى : (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) [البقرة : ١٥٢] وقوله : (اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً) [الأحزاب : ٤١] وقوله : (وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ) [العنكبوت : ٤٥] وقوله : (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ) [الأعراف : ٢٠٥] بين المراتب والأوقات. والذكر الخفي أجمل ، إذ ليس فيه أذى لسامعه ، وهو خالص عن الرياء والنفاق ، مثل صوم السر وصدقته ، والحث عليه كثير. وقد سئل رسول الله صلىاللهعليهوسلم في رجل يتصدق بمال حلال وآخر يذكر الله من صلاة الصبح إلى طلوع الشمس فأي الرجلين أفضل؟ فقال : " ولذكر الله أكبر". وفي الحديث : " أنه من ذكر الله من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فله أجر من تصدق بمائة ناقة حمراء حملها من ذهب أحمر ، وكأنه قد أعتق ثمانية رقاب من بني عبد المطلب". ثم الذكر له ثلاث وظائف : فذكر الظاهر بلقلقة اللسان ، فهذا يستحب في التلاوات من هياكل العبادات ، والذكر الخفي أعلى ضروب العبادات والصدقات ، وذكر القلب ، ومنه يحدث الغناء من العالم والاشتغال بالمحبوب : " أنا ذاكر من ذكرني ، وجليس من شكرني ، وحبيب من أحبني. من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، ومن ذكرني في ملأ من قومه ذكرته في ملإ من ملائكتي" ثم يحصل من الفناء الأول فناء ثان وهو أن يغيب عن النفس لمشاهدة حضرة القدس ، فيصير الذكر لك عادة وعبادة. كشف الموت عنك أعباء الأثقال عدت في عادة ذكرك مع الملائكة الذاكرين ، إذ الخير عادة. ويطاف بك في ساحة حظيرة القدس وتحظى بقرب من ذكرت ، وهو قرب إكرام ومنزل احتشام. ومن هذا الذكر ما هو قرآن ، ثم بعده تسبيح ، ثم
