(وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ) [فصلت : ٣١]. وربما يعظم الله تعالى في الآخرة شهوة لا تكون تلك الشهوة معظمة في دار الدنيا ، كالنظر إلى ذات الله تعالى ، فإن الشهوة والرغبة الصادقة فيها في الآخرة دون الدنيا.
وأما الخيالي ، فلا يخفى إمكانه ولذته كما في النوم إلا أنه مستحقر لانقطاعه عن قريب ، فلو كانت دائمة لم يدرك فرق بين الخيالي والحسي لأن التذاذ الإنسان بالصور من حيث انطباعها في الخيال والحس لا من حيث وجودها من خارج ، فلو وجد من خارج ولم يوجد في حسه بالانطباع فلا لذة ، ولو بقي المنطبع في الحس وعدم الخارج لدامت اللذة وللقوة المتخيلة قدرة على اختراع الصور في هذا العالم ، إلا أن صورها المخترعة متخيلة وليست محسوسة ولا منطبعة في القوة والباصرة ، فلذلك لو اخترع صورة جميلة في غاية الجمال وتوهم حضورها ومشاهدتها لم تعظم لذاته لأنه ليس يصير مبصرا كما في النوم ، فلو كانت له قوة على تصويرها في القوة الباصرة كما له قوة على تصويرها في القوة المتخيلة لعظمت لذته ونزلت منزلة الصور الموجودة من خارج ، ولا تفارق الآخرة الدنيا في هذا المعنى إلا من حيث كمال القدرة على تصوير الصورة في القوة الباصرة ، وكل ما يشتهيه يحضر عنده في الحال فتكون شهوته بسبب تخليه وتخليه بسبب إبصاره أي بسبب انطباعه في القوة الباصرة فلا يخطر بباله شيء يميل إليه إلا ويوجد في الحال أي يوجد بحيث يراه ، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام : " إن في الجنة سوقا تباع فيه الصور" ، والسوق عبارة عن اللطف الإلهي الذي هو منبع القدرة على اختراع الصور بحسب المشيئة ، وانطباع القوة الباصرة بها انطباعا ثابتا إلى دوام المشيئة لا انطباعا هو معرض للزوال من غير اختيار كما في النور في هذا العالم ، وهذه القدرة أوسع وأكمل من القدرة على الإيجاد خارج الحس ، لأن الموجود من خارج مشغوفا به محجوبا عن غيره ، وأما هذا فيتسع اتساعا لا ضيق فيه ولا منع حتى إذا اشتهى مشاهدة الشيء مثلا ألف شخص في ألف مكان في حالة واحدة ، لشاهدوه كما خطر ببالهم في أماكنهم المختلفة ، وأما الإبصار الحاصل عن شخص الشيء الموجود من خارج الحس لا يكون إلا في مكان واحد ، وحمل أمر الآخر على ما هو أوسع وأتم للشهوات وأوفق بها أولى ولا نقص في قدرة الإيجاد.
وأما الوجه الثالث : وهو الوجود العقلي ، فأن تكون هذه المحسوسات أمثلة للذات العقلية التي ليست بمحسوسة ، لكن العقليات تنقسم إلى أنواع كثيرة مختلفة اللذات كالحسيات ، فتكون الحسيات أمثلة لها وكل واحد يكون مثالا للذة أخرى مما رتبته في العقليات توازي رتبة المثال في الحسيات فإنه لو رأى في المنام الخضرة والماء الجاري والوجه الحسن والأنهار المطردة باللبن والعسل والخمرة ، والأشجار المزينة بالجواهر واليواقيت واللآلي ، والقصور المبنية من الذهب والفضة ، والسرر المرصعة بالجواهر ، والغلمان الماثلين بين يديه للخدمة ، لكان المعبر يفسر ذلك بالسرور ولا يحمله على نوع واحد ، بل يحمل كل واحد على نوع آخر
