صلىاللهعليهوسلم : " إنّما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق". وقال تعالى شأنه : (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم : ٤]. مثال ذلك السخاوة بين التبذير والبخل ، والشجاعة بين التهور والجبن ، والاقتصاد بين الإسراف والإقتار ، والتواضع بين التكبر والدناءة ، والعفة بين الشهوة والخمود ، فهذه الأخلاق لها طرف إفراط وطرف تقصير وهما مذمومان والوسط ليس من الإفراط ولا من التقصير فهو على غاية البعد من كل طرف ، ولذلك قال النبي صلىاللهعليهوسلم : " خير الأمور أوساطها" مثال ذلك الوسط الخط الهندسي الفاصل بين الظل والشمس لا من الظل ولا من الشمس ، والتحقيق في ذلك أن كمال الآدمي في المشابهة بالملائكة وهم منفكون عن هذه الأوصاف المضادة ، وليس في إمكان الإنسان الانفكاك عنها بالكلية ، فكلفه الله تعالى بما يشبه الانفكاك ، وإن لم يكن حقيقة الانفكاك وهو الوسط فإن الفاتر لا حار ولا بارد ، والعودي لا أبيض ولا أسود ، فالبخل والتبذير من صفات الإنسان ، والمقتصد السخي كأنه لا بخيل ولا مبذر ، فالصراط المستقيم وهو الوسط الحق بين الطرفين الذي لا ميل له إلى أحد الجانبين وهو أدق من الشعر ، فالذي يطلب غاية البعد من الطرفين يكون على الوسط ، ولو فرضنا حلقة حديد محماة بالنار وقعت نملة فيها وهي تهرب بطبعها من الحرارة فلا تموت إلا على المركز لأنه الوسط الذي هو غاية البعد من المحيط المحرق ، وتلك النقطة لا عرض لها ، فإذا الصراط المستقيم هو الوسط بين الطرفين ولا عرض له. فهو أدق من الشعر ، ولذلك خرج عن القدرة البشرية والوقوف عليه فلا جرم بورود أمثالنا النار بقدر ميله عنه ، كما قال تعالى : (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا) [مريم : ٧١]. وقال تعالى: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ) [النساء : ١٢٩]. فإن العدل بين المرأتين في المحبة والوقوف على درجة متوسطة لا ميل فيه إلى إحداهما كيف يدخل تحت الإمكان؟ فمن استقام في هذا العالم على الصراط المستقيم الذي يحكي الله تعالى حقيقته عن النبيصلىاللهعليهوسلم : (وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ) [الأنعام : ١٥٣]. مرّ على صراط الآخرة مستويا من غير ميل لأنه في هذا العالم عود نفسه التحفظ عن الميل ، فصار ذلك وصفا طبيعيا له فإن العادة طبيعية خامسة. هذا حق قطعا كما ورد به الشرح وجاء في الحديث : " يمرّ المؤمن على الصّراط كالبرق الخاطف".
فصل في الجنان
اللذات المحسوسة الموجودة في الجنان من أكل وشرب ونكاح يجب التصديق بها لإمكانها ، وهي كما تقدم حسي وخيالي وعقلي.
أما الحسي ، فبعد رد الروح إلى البدن كما ذكرنا ، وأما الكلام في أن بعض هذه اللذات مما لا يرغب فيها مثل اللبن والإستبرق والطلح المنضود والسدر المخضود ، فهذا مما خوطب به جماعة يعظم ذلك في أعينهم ويشتهونه غاية الشهوة ، وفي كل صنف وكل إقليم مطاعم ومشارب وملابس تختص بقوم دون قوم ، ولكل واحد في الجنة ما يشتهيه كما قال تعالى :
