كيف وهل تصفح في جملة ذلك فاعل السماوات والأرض فإن لم يتصفح الكل بل البعض لم يلزم الكل ، وإن تصفح فهل وجد جسما ، فإن قال : نعم ، فيقال له : فإذا وجدت ذلك في مقدمة قياسك فكيف جعلته أصلا تستدلّ به عليه فجعلت نفس وجدانك دليل ما وجدته وهذا خطأ ، بل ما هو في تصفحه إلا كمن يتصفح الفرس والإبل والفيل والحشرات والطيور فيراها تمشي برجل وهو لم ير الحية والدود فيحكم بأن كل حيوان يمشي برجل ، وكمن يتصفح الحيوانات فيراها عند المضغ جميعها تحرك الفك الأسفل ، فيحكم بأن كل حيوان يحرك عند المضغ الفك الأسفل وهو لم ير التمساح فإنه يحرك الفك الأعلى وهذا لأنه يجوز أن يكون ألف شخص من جنس واحد على حكم ويخالف الألف واحد وهو لا يفيد برد اليقين فهو القياس الباطل ، وأما اعتصامه بالقسمة المنتشرة فكقوله : سبرت أوصاف الفاعلين فكانوا أجساما لكونهم فاعلين أو لكونهم موجودين أو كيت وكيت ، ثم يبطل جميع الأجسام فيقول فيلزم من هذا أنهم أجسام لكونهم فاعلين ، وهذه هي القسمة المنتشرة التي بها يزن الشيطان مقاييسه وقد ذكرنا بطلانها ، فقال : أظن أنه إذا بطل سائر الأقسام تعين القسم الذي أراده ، وأرى هذا برهانا قويا عليه تعويل أكثر المتكلمين في عقائدهم فإنهم يقولون في مسألة رؤية الباري تعالى مرئي لأن العالم مرئي ، وباطل أن يقال إنه مرئي لأنه ذو بياض لأن السواد يرى ، وباطل أن يرى لكونه جوهرا لأن العرض يرى وباطل أن يكون عرضا لأن الجوهر يرى ، وإذا بطلت الأقسام بقي أنه يرى موجودا فأريد أن تكشف لي عن فساد هذا الميزان كشفا ظاهرا لا أشك فيه ، فقلت : فأنا أورد في ذلك مثالا حقا لم ينتج من قياس باطل وأكشف الغطاء عنه ، فأقول : قولنا : العالم حادث حق ، ولكن قول القائل إنه حادث لأنه مصور قياسا على البيت وسائر الأبنية المصورة قول باطل لا يفيد العلم بحدوث العالم إذ يقال ميزانه الحق أن يقال كل مصور حادث أو العالم مصور ، فيلزم منه أنه حادث ، والأصل الآخر مسلم لكن قولك كل مصور حادث لا يسلمه الخصم ، وعند هذا يعدل إلى الاستقراء فيقول : استقريت كل مصور فوجدته حادثا كالبيت والقدح والقميص وكيت وكيت ، وقد عرفت فساد هذا وقد يرجع إلى السبر ، فيقول : البيت حادث فنسبر أوصافه وهو أنه جسم وقائم بنفسه وموجود ومصور ، وهذه أربع صفات وقد بطل تعليله بكونه جسما وقائما بنفسه وموجودا فثبت أنه معلل بكونه مصورا وهو الرابع. فيقال له : هذا باطل من وجوه كثيرة وأذكر منها الأربعة :
الأول : أنه إن سلم لك بطلان الثلاث فلا تثبت العلّة التي طلبتها ، فلعل الحكم معلل بعلّة قاصرة غير عامة ولا متعدية ككونه مثلا بيتا ، فإن ثبت كون البيت غير محدث أيضا فلعلّ الحكم معلل بالمعنى القاصر على ما ظهر كونه حادثا إذ يمكن تقدير وصف خاص يجمع الجميع ولا يتعدى.
الثاني : أنه إنما يصح إذا تم السبر على الاستقصاء بحيث لا يتصور أن يشذّ منه قسم ، وإذا لم يكن حاصرا بين النفي والإثبات دائرا تصور أن يشذ منه قسم وليس الاستقصاء الحاصر أمرا هينا ، والغالب أنه
