لا يهتم به المتكلمون والفقهاء بل يقولون إن كان فيه قسم آخر فأبرزه ، وربما قال الآخر لا يلزمني إبرازه وطال اللجاج فيه ، وربما استدل القائس وقال : لو كان فيه قسم آخر لعرفناه ولعرفته ، فعدم معرفتنا تدلّ على نفي قسم آخر إذ عدم رؤيتنا الفيل في مجلسنا تدلّ على نفي ولا يدري قطّ هذا المسكين أنه لم نعهد قط فيلا حاضرا لم نره ثم رأيناه وكم رأينا معاني حاضرة عجزنا جميعا عن إدراكها ثم تنبهنا لها بعد مدة فلعلّ فيه قسما آخر شذ عنّا لسنا نتنبه له الآن وربما لم نتنبه له طول عمرنا.
الثالث : أنا وإن سلمنا الحصر فلا يلزم من إبطال ثلاث ثبوت رابع بل التركيب الذي يحصل من أربعة يزيد على عشرة وعشرين إذ يحتمل أن تكون العلّة آحاد هذه الأربعة أو اثنين منها أو ثلاثة منها ، ثم لا يتعين الاثنان منها ولا الثلاثة ، بل يتصور أن تكون العلّة كونه موجودا أو جسما أو موجودا وقائما بنفسه أو جسما موجودا وقائما بنفسه وموجودا أو موجودا وبيتا أو بيتا ومصورا أو بيتا قائما بنفسه أو بيتا وجسما ، أو جسما ومصورا ، أو جسما وقائما بنفسه أو جسما وموجودا أو قائما بنفسه وموجودا ، فهذه بعد تركيبات الاثنين فقس على هذه التركيبات من الثلاث ، واعلم أن الأحكام تتوقف على وجود أسباب كثيرة مجتمعة فليس يرى الشيء لكون الرائي ذا عين إذ لا يرى بالليل ولا لاستتارة المرئي بالشمس إذ لا يرى الأعمى ولا لهما جميعا إذ لا يرى الهواء ، ولكن جملة ذلك مع كون المرئي متلونا وأمور أخر هذا حكم الوجود ، أما حكم الرؤية في الآخرة فحديث آخر.
الرابع : أنه إن سلم الاستقصاء وسلم الحصر في أربعة وتركنا التركيب فإبطال ثلاثة لا يوجب تعلق الحكم بالرابع مطلقا بل بانحصار الحكم في الرابع ، ولعلّ الرابع ينقسم قسمين ، والحكم يتعلق بأحدهما. أرأيت لو قسم أوّلا وقال : أما كونه جسما أو موجودا أو قائما بنفسه أو مصورا مثلا بصورة مربعة ، أو مصورا بصورة مدورة ثم أبطل الأقسام الثلاثة لم يتعلق الحكم بالصورة مطلقا ، بل ربما اختصّ بصورة مخصوصة ، فتسبب الغفلة عن مثل هذه الدقائق خبط المتكلمون وكثر نزاعهم إذا تمسكوا بالرأي والقياس ، وذلك لا يفيد برد اليقين ، بل يصلح للأقيسة الفقهية الظنية ولإمالة قلوب العامة إلى صوب الصواب ، والحق فإنه لا يمتد فكرهم إلى الاحتمالات البعيدة ، بل ينجزم اعتقادهم بأسباب ضعيفة. أما ترى العامي الذي به صداع يقول له غيره استعمل ماء الورد فإني إذا كان بي صداع فاستعملته انتفعت به ، كأنه يقول هذا صداع فينفعه ماء الورد قياسا على صداعي فيميل قلب المريض إليه فيستعمله ولا يقول له أثبت أوّلا أن ماء الورد يصلح لكل صداع كان من البرودة أو من الحرارة أو من أبخرة المعدة ، وأنواع الصداع كثيرة فاثبت أن صداعي كصداعك ومزاجي كمزاجك وسني كسنك وصناعتي كصناعتك وأحوالي كأحوالك ، فإن جميع ذلك يختلف به العلاج فإنّ طالب تحقيق هذه الأمور ليس من شأن العوام لأنهم لا يتشوقون إليها ولا من شأن المتكلمين لأنهم وإن تشوفوا إليها على خلاف العوام فلا يهتدون إلى الطرق المفيدة برد اليقين ، وإنما هي من شنشنة قوم عرفوها من أحمد صلىاللهعليهوسلم وهم قوم اهتدوا بنور الله إلى ضياء القرآن ، وأخذوا منه الميزان بالقسط والقسطاس المستقيم فأصبحوا قوامين لله بالقسط.
فقال : الآن هذا يلوح لي مخايل الحق وتباشيره من كلامك فهل تأذن لي في أن أتبعك
