الخصم بين أن ينكر ويقول تركهم في الجنة فيشاهد كذبه ، أو يقول كان الأصلح لهم أن يخرجوا إلى الدنيا دار البلايا ويعرضهم للخطايا ثم يقول لآدم يوم يكشف عن الخطايا : أخرج يا آدم نصيب النار ، فيقول: كم ، فيقول من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين كما ورد في الخبر الصحيح ويزعم أن ذلك أصلح لهم من خلقهم في الجنة وتركهم فيها لأن نعيمهم إذ ذاك لا يكون لسعيهم واستحقاقهم فتعظم المنة عليهم والمنة ثقيلة ، وإذا سمعوا وأطاعوا كان ما أخذوه جزاء وأجرة لا منه فيها ، وأنا أنزه سمعك ولساني عن حكاية مثل هذا الكلام فضلا عن الجواب عنه. فانظر فيه لترى قبائح نتائج الرأي كيف هي وأنت تعلم أن الله تعالى ينزل الصبيان إذا ماتوا في منزل من الجنة دون منازل البالغين المطيعين ، فإذا قالوا : إلهنا أنت لا تبخل بالأصلح لنا والأصلح لنا أن تبلغنا درجتهم ، فيقول الله ، على زعم المعتزلة : كيف أبلغكم درجتهم وقد بلغوا وتعبوا وأطاعوا وأنتم متم صبيانا ، فيقولون : أنت أمتنا فحرمتنا طول المقام في الدنيا ومعالي الدرجات في الآخرة فكان الأصلح لنا والأصلح بنا أن تبلغنا درجتهم ، أو أن لا تميتنا ، فلم أمتنا؟ فيقول الله تعالى ، على رأي المعتزلة : إني قد علمت أنكم لو بلغتم لكفرتم واستحققتم النار خالدين فيها ، فعلمت أن الأصلح لكم الموت في الصبا ، وعند هذا ينادي الكفار البالغون من دركات النار يصطرخون ويقولون : أما علمت أنا إذا بلغنا كفرنا فهلا أمتنا في الصبا فإنا راضون بعشر عشر درجات الصبيان فعند هذا لا يبقى للمعتزلي جواب يجيب به عن الله تعالى ، فتكون الحجة للكفار على الله سبحانه ، تعالى الله عن قول الظالمين علوّا كبيرا ، نعم لفعل الأصلح سر يستمد من معرفة سر الله تعالى في القدر ، ولكن المعتزلي لا ينظر من ذلك الأصل فإنه لا يطلع ببضاعة الكلام على ذلك السر فمن هذا خبط خبط عشواء واضطربت عليه الآراء فهذا مثال الرأي الباطل عندي.
وأما مثال القياس فهو إثبات الحكم في شيء بالقياس على غيره كقول المجسمة إن الله تعالى وتقدس عن قولهم جسم. قلنا : لم؟ قالوا : لأنه فاعل صانع فكان جسما قياسا على سائر الصناع والفاعلين ، وهذا هو القياس الباطل ، كما قلنا : لم قلتم إن الفاعل كان جسما لأنه فاعل ، وذلك لا يقدر على إظهاره مهما وزن بميزان القرآن فإن ميزانه هو الميزان الأكبر من موازين التعادل ، وصورة وزنه أن يقال : كل فاعل جسم والبارئ تعالى فاعل فهو أيضا جسم ، فنقول : نسلم أن البارئ تعالى فاعل ، ولكن لا نسلم الأصل الأوّل وهو أن كل فاعل جسم فمن أين عرفتم ذلك؟ وعند هذا لا يبقى لهم إلا الاعتصام بالاستقراء والقسمة المنتشرة وكلاهما لا حجّة فيه. أما الاستقراء فهو أن يقول تصفحت الفاعلين من حائك وحجام وإسكاف وخياط ونجار وفلان وفلان فوجدتهم أجساما فقلت إن كل فاعل جسم ، فيقال له : تصفحت كل الفاعلين أو شذّ عنك فاعل ، فإن قال : تصفحت البعض ، فلا يلزم منه الحكم على الكل ، وإن قال : تصفحت الكل ، فلا نسلم له ذلك فليس كل الفاعلين معلوما عنده.
