الكلمة ولا لسائر الكلمات بل لكلمتين فقط ، إحداهما قوله : الله ثالث ثلاثة ، والثانية قوله : محمّد ليس برسول الله وسائر أقواله وراء ذلك حق ، فلمّا رأيتك ورأيت رفقاءك من أهل التعليم ضعفاء العقول لا تخدعهم إلا الظواهر نزلت إلى حدك فسقيتك الدواء في كوز الماء وسقتك به إلى الشفاء وتلطفت بك تلطف الطبيب بمريضه ، ولو ذكرت لك أنه دواء وعرضته في قدح الدواء لكان يشمئز عن قبوله طبعك ولو قبلته لكنت تتجرعه ولا تكاد تسيغه فهذا غرضي في إبدال تلك الأسامي وإبداع هذه يعرفه من يعرفه ، ويجهله من يجهله ، وينكره من ينكره.
فقال : لقد فهمت هذا كله ، ولكن أين ما كنت وعدت به من أن هذا الميزان له كفتان وعمود واحد تتعلق به الكفتان جميعا ، ولست أرى في هذا الميزان الكفة والعمود ، وأين ما ذكرته من الموازين التي هي أشبه بالقبان؟
قلت : هذه المعارف الست قد استفدتها من أصلين فكل أصل كفّة والجزء المشترك بين الأصلين الداخل فيهما عمود ، وأضرب لك مثالا من الفقهيات فلعلّه أقرب إلى فهمك ، فأقول : قولنا : كل مسكر حرام كفة. وقولنا : كل نبيد مسكر كفّة أخرى ، والنتيجة أن كل نبيذ حرام فههنا في الأصلين ثلاثة أمور فقط : النبيذ والمسكر والحرام. أما النبيذ فإنه يوجد في أحد الأصلين فقط فهو كفة ، وأما الحرام فيوجد في الأصل الثاني فقط فهو الكفة الثانية ، وأما المسكر فمذكور في الأصلين جميعا وهو مكرر فيهما مشترك بينهما فهو العمود ، والكفتان متعلقان به إذ يتعلق به أحدهما ويتعلق الموصوف بالصفة ، وهو قولك كل نبيذ مسكر فإن النبيذ موصوف بالمسكر والأخرى متعلقة لتعلق الصفة بالموصوف وهو قولك. وكل مسكر حرام ، فتأمّل ذلك حتى تعرف فإن فساد هذا الميزان تارة يكون من الكفة ، وتارة يكون من العمود ، وتارة يكون من تعلّق الكفّة بالعمود على ما أنبهك على رمز يسير منه في ميزان الشيطان ، وأما المشبّه بالقبّان فهو ميزان التلازم إذ أحد طرفيه أطول من الآخر كثيرا ، فإنك تقول لو كان بيع الغائب صحيحا للزم بصريح الإلزام وهذا أصل طويل مشتمل على جزءين : لازم وملزوم ، والثاني وهو قولك وليس يلزم بصريح الإلزام وهذا أصل آخر أقصر منه فكان أشبه بالرمانة القصيرة المقابلة لكفة القبان، وأما ميزان التعادل فتتعادل فيه كفتان ليست إحداهما أطول من الأخرى ، بل كل واحدة منهما تشتمل على صفة وموصوف فقط ، فافهم هذا مع ما عرفتك من أن الميزان الروحاني لا يكون كالميزان الجسماني بل يناسبه مناسبة ما ، ولذلك يمكن تشبيهه بتولد النتيجة من ازدواج الأصلين إذ يجب أن يدخل شيء من أحد الأصلين في الآخر وهو المكسر الموجود في الأصلين حتى تتولّد النتيجة ، فإن لم يدخل جزء من أحد الأصلين في الآخر لم تتولد نتيجة كما لم تتولد من قولك كل مسكر حرام وكل مغصوب مضمون نتيجة أصلا وهما أصلان ، لكن لم يجر بينهما نكاح وازدواج إذ ليس يدخل جزء من أحدهما في الآخر ، وإنما النتيجة تتولد من الجزء المشترك الداخل من أحدهما في الآخر وهو الذي سميناه
