فالوزن بالقسمة المنتشرة وزن الشيطان وبه وزن بعض أهل التعليم كلامهم في مواضع كثيرة ذكرناها في القواصم ، وفي جواب مفصل الخلاف والكتاب المستظهري وغيرهما من الكتب المستعملة ، وأما موضع استعمال هذا من الغوامض فلا ينحصر ولعل أكثر النظريات تدور عليه ، فإن من أنكر موجودا قديما فنقول له : الموجودات إما أن تكون كلها حادثة أو بعضها حادث وبعضها قديم وهذا حاصر ، لأنه بين النفي والإثبات دائر ، ثم نقول : ومعلوم أن كلها ليست بحادثة فيلزم أن فيها قديما ، فإن قيل : فلم قيل إن كلها ليست حادثة؟ فتقول : لأن كلها لو كانت حادثة لكان حدوثها بأنفسها من غير سبب ، فبطل أن تكون كلها حادثة فثبت أن فيها موجودا قديما ، ونظائر استعمال هذا الميزان لا تنحصر.
فقال : قد فهمت بالحقيقة صدق هذه الموازين الخمسة ، ولكن أشتهي أن أعرف معنى ألقابها ولم خصصت الأول بأنه ميزان التعادل ، والثاني بالتلازم ، والثالث بالتعاند؟
قلت : سمّيت الأول ميزان التعادل لأن فيه أصلين متعادلين كأنهما كفتان متحاذيتان ، وسميت الثاني ميزان التلازم لأن أحد الأصلين تشتمل على جزءين : أحدهما لازم ، والآخر ملزوم ، كقوله تعالى : (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا) [الأنبياء : ٢٢]. فإن قوله : لفسدتا ، لازم وملزوم قوله : لو كان فيهما آلهة إلا الله ، ولزمت النتيجة من نفي اللازم. وسميت الثالث ميزان التعاند لأنه رجع إلى حصر قسمين بين النفي والإثبات يلزم من ثبوت أحدهما نفي الآخر ومن نفي أحدهما ثبوت الآخر فبين القسمين تعاند وتضاد.
فقال : هذه الأسامي أنت ابتدعتها وهذه الموازين أنت انفردت باستخراجها أم سبقت إليها؟
قلت : أما هذه الأسامي فإني ابتدعتها ، وأما الموازين فأنا استخرجتها من القرآن ، وما عندي أني سبقت إلى استخراجها من القرآن ، لكن أصل الموازين قد سبق استخراجها ولها عند مستخرجها من المتأخرين أسماء أخرى سوى ما ذكرته ، وعند بعض الأمم السابقة على بعثة محمّد وعيسى صلّى الله عليهما وسلم أسامي أخر ، كانوا قد تعلّموها من صحف إبراهيم وموسى عليهما الصلاة والسلام ، ولكن بعثني على إبدال كسوتها بأسامي أخر غير ما سموها به ما عرفت من ضعف قريحتك وطاعة نفسك إلى الأوهام ، فإني رأيتك من الاعتزاز بالظواهر بحيث لما سقيت عسلا أحمر في قارورة حجام لم تطق تناوله لنفور طبعك عن المحجمة وضعف عقلك عن أن يعرفك أن العسل ظاهر في أي زجاجة كان ، بل ترى التركي يلبس المرقعة والدراعة فتحكم عليه بأنه صوفي أو فقيه ولو لبس الصوفي القباء والقلنسوة حكم عليه وهمك بأنه تركي فأبدا يتحرك وهمك إلى ملاحظة غلاف الأشياء دون اللباب ، وكذلك لا تنظر إلى القول من نفس القول وذاته بل من حسن صنعته أو حسن ظنك بقائله ، فإذا كانت عبارته مستكرهة عندك أو قائله قبيح الحال في اعتقادك رددت القول وإن كان في نفسه حسنا وحقا ، فلو قيل لك : قل لا إله إلا الله عيسى رسول الله نفر عن ذلك طبعك ، وقلت : هذا قول النصارى فكيف أقوله ، ولم يكن لك من العقل ما تعرف به أن هذا القول في نفسه حقّ وأن النصراني ما مقت لهذه
