عمود الميزان ، ولو فتح لك باب الموازنة بين المحسوس والمعقول لانفتح لك باب عظيم في معرفة الموازنة بين عالم الملك والشهادة ، وبين عالم الغيب والملكوت وتحته أسرار عظيمة ، من لم يطلع عليها حرم الاقتباس من أنوار القرآن والتعلم منه ولم يحط من علمه إلا بالقشور ، فكما أن في القرآن موازين كل العلوم فكذلك فيه مفاتيح كل العلوم كما أشرت إليه في كتاب (جواهر القرآن) فاطلبه منه وليست الموازنة بين عالم الملك والشهادة وعالم الغيب والملكوت ، إلا بما يتجلى بعضه في المنام من الحقائق المعنوية في الأمثلة الخيالية ، لأن الرؤيا جزء من النبوة وفي عالم النبوة يتجلّى تمام الملك والملكوت ، ومثاله من النوم رجل رأى في منامه كأن في يده خاتما يختم به أفواه الرجال وفروج النساء فقص رؤياه على ابن سيرين ، فقال : إنك مؤذن تؤذن في رمضان قبل الصباح ، فقال : هو كذلك ، فانظر الآن لم تجل له حاله من عالم الغيب في هذا المثال ، واطلب الموازنة بين هذا المثال والأذان قبل الصبح في رمضان ، وربما يرى هذا المؤذن نفسه يوم القيامة وفي يده خاتم من نار ويقال له هذا هو الخاتم الذي كنت تختم به أفواه الرجال وفروج النساء ، فيقول : والله ما فعلت هذا. فيقال : نعم كنت تفعله ولكن تجهله لأن هذا روح فعلك ولا تتجلى حقائق الأشياء وأرواحها إلا في عالم الأرواح ويكون الروح في غطاء من الصور في عالم التلبيس عالم الحسّ والخيال. والآن قد كشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ، وكذلك يفتضح كل من ترك حدّا من حدود الشرع ، وإن أردت له حقيقة فاطلبه من باب حقيقة الموت في الإحياء أو من كتاب جواهر القرآن ، فترى فيه العجائب ، وأطل التأمل فيه فعساك تنفتح لك باب رؤيته إلى عالم الملكوت تسترق منها السمع ، فإني ما أراك ينفتح لك بابها وأنت إنما تنتظر معرفة الحقائق من معلم غائب لا تراه ، ولو رأيته لوجدته أضعف منك في المعرفة كثيرا فخذها ممن سافر وتعرف وبحث فعلى الخبير سقطت فيه.
فقال : هذا الآن حديث آخر يطول بيني وبينك اللجاج فيه ، فإن هذا المعلم الغائب وإن كنت لم أر منظره فقد سمعت خبره كالليث إن لم أره فقد رأيت أثره ولقد رأيت والدتي إلى أن ماتت ومولانا صاحب قلعة الموت يثنيان عليه ثناء بالغا حتى قالا إنه المطلع على كل ما يجري في العالم ولو على ألف فرسخ ، أفأكذب والدتي وهي العجوز العفيفة السيرة أو مولانا وهو الإمام الحسن السيرة والسريرة ، كلا بل هما شاهدان صادقان كيف وقد طابقهما على ذلك جميع رفقائي من أهل دامغان وأصبهان ولهم الأمر المطاع وفي حكمها سكان القلاع ، أفترى أنهم منخدعون وهم الأذكياء أو متنمسون وهم الأتقياء؟ هيهات هيهات دع عنك الغيبة ، فإن مولانا يطلع على ما يجرى بيننا من غير ريبة إذ لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء فأخشى أن أتعرض لمقته بمجرد السماع والإصغاء فاطو طومار الهذيان وارجع إلى حديث الميزان واشرح لي ميزان الشيطان وكيفية وزن أهل التعليم به.
