والأفعال وحقيقة ذات الروح أنه قائم بنفسه ليس بعرض ولا جسم ولا جوهر متحيز ولا يحل المكان والجهة ، ولا هو متصل بالبدن والعالم ، ولا هو منفصل ، ولا هو داخل البدن والعالم ولا هو خارج. وهذا كله صفات ذات الله تعالى. وأما الصفات : فقد خلق حيا عالما قادرا مريدا سميعا بصيرا متكلما والله تعالى كذلك وأما الأفعال : فمبدأ فعل الآدمي إرادة يظهر أثرها أولا في القلب فينتشر منه أثر بواسطة الروح الحيواني الذي هو بخار لطيف في تجويف ويتصاعد إلى الدماغ ، ثم يسري منه أثر إلى الأعضاء إلى أن تصل الآثار إلى الأصابع مثلا فتتحرك فيتحرك بالأصابع القلم وبالقلم المداد ، فيحدث منه صورة ما يريد كتبه على القرطاس في خزانة التخيل ، فإنه ما لم يتصور في خياله صورة المكتوب أولا لا يمكن إحداثه على البياض. ثانيا فمن استقرأ أفعال الله تعالى وكيفية إحداث الحيوان والنبات على الأرض بواسطة تحريك الكواكب والسماوات بواسطة الملائكة علم أن تصرف الآدمي في عالمه يشبه تصرف الخالق سبحانه في العالم الأكبر ، فحينئذ يعرف معنى قولهصلىاللهعليهوسلم : «إن الله تعالى خلق آدم عليهالسلام على صورته».
فإن قيل : فإذا كانت الأرواح حادثة مع الأجساد فما معنى قوله عليه الصلاة والسّلام : «خلق الله تعالى الأرواح قبل خلق الأجساد بألفي عام» ، وقوله : «أنا أوّل الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا وكنت نبيا وآدم بين الماء والطّين»؟ فاعلم أن شيئا من ذلك لا يدل على قدم الروح لكن قوله : «أنا أوّل الأنبياء خلقا». ربما دل بظاهره على تقدم وجوده على جسده وغير الظاهر متعين. فإن تأويله ممكن والبرهان القاطع لا يدرأ بالظاهر بل ليسلط على تأويل الظاهر ، كما في ظواهر التشبيه في حق الله تعالى.
فأما قوله : «خلق الله تعالى الأرواح قبل الأجساد بألفي عام» أراد بالأرواح أرواح الملائكة ، والأجساد أجسام العالم من العرش والكرسي والسماوات والكواكب والهواء والماء والأرض.
وأما قوله : «أنا أوّل الأنبياء خلقا» فالخلق هاهنا بمعنى التقدير دون الإيجاد ، فإنهصلىاللهعليهوسلم قبل أن تلده أمه لم يكن موجودا مخلوقا ، ولكن الغايات والكمالات سابقة في التقدير لاحقة في الوجود ، فإن الله تعالى يقدر أولا أي يرسم في اللوح المحفوظ الأمور الإلهية على وفق علمه تعالى ، فإذا فهمت نوعي الوجود فقد كان عليه الصلاة والسّلام قبل وجود آدم عليهالسلام أعني الوجود الأول التقديري دون الوجود الحسي العيني. هذا آخر الكلام في معنى الروح والله أعلم.
الباب السابع
في بيان معنى المحبة
اعلم : أن المحبة ميراث التوحيد والمعرفة وكل مقام وحال قبلها فلها يرد ومنها يستفاد. وأما المعرفة الخاصة بها : فكل ما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته من سلب نقص وإثبات كمال وهي واجبة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة ، وإنما وقع الخلاف في حقيقتها ومعناها وليس للمحبة معنى غير الميل
