فإن قيل : لم لا يجوز كشف هذا السر مع هؤلاء؟ فيقال : لأنهم أحالوا أن تكون هذه الصفة لغير الله تعالى ، فإذا ذكرت هذا معهم كفروك ، وقالوا : هذا تشبيه لأنك تصف نفسك بما هو صفة الإله تعالى على الخصوص وذلك جهل بأخص أوصاف الله تعالى.
فإن قلنا : إن الإنسان حي عالم قادر مريد سميع بصير متكلم والله تعالى كذلك ليس فيه تشبيه لأن هذه الصفات ليست أخص أوصاف الله تعالى ، فكذلك البراءة عن المكان والجهة ليست أخص وصف الإله تعالى ، بل أخص وصفه تعالى أنه قيوم أي قائم بذاته وكل ما سواه قائم به وهو موجود بذاته لا بغيره وليس للأشياء من أنفسها إلا العدم ، وإنما لها الوجود من غيرها على سبيل العارية فالوجود لله تعالى ذاتي ليس بمستعار وما سواه فوجوده منه تعالى لا من نفسه وهذه القيومية ليست إلّا لله تعالى.
فإن قيل : ما معنى نسبة الروح إلى الله تعالى في قوله : (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) [الحجر: ٢٩]. فاعلم أن الروح منزهة عن الجهة والمكان وفي قوتها العلم بجميع المعلومات والاطلاع عليها ، فهذه مضاهاة ومناسبة ليست لغيره من الجسمانيات ، فلذلك اختصت بالإضافة إلى الله تعالى.
فإن قيل : فما معنى قوله (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء : ٨٥]. وما معنى عالم الأمر وعالم الخلق؟ فيقال : إن كل ما يقع عليه مساحة وتقدير فهو الأجسام وعوارضها. فهذا هو عالم الخلق والخلق هاهنا بمعنى التقدير لا بمعنى الإيجاد والإحداث. يقال : خلق الشيء أي قدره وكل ما لا كمية له ولا تقدير. يقال : إنه أمر رباني وتلك المضاهاة التي ذكرناها ، فكل ما هو من هذا الجنس من أرواح البشرية وأرواح الملائكة يقال : إنه من عالم الأمر وعالم الأمر عبارة عن الموجودات الخارجة عن الحس والخيال والجهة والمكان والتحيز والدخول تحت المساحة والتقدير لانتفاء الكمية عنه.
فإن قيل : فهذا يوهم أن الروح قديم ليس بمخلوق. فيقال : قد توهم هذا قوم جهال ضلال ، فمن قال إنه ليس بمخلوق بمعنى أنه غير مقدر بكمية لأنه لا يتجزأ ولا يتحيز فهو مصيب إلا أنه مخلوق بمعنى أنه حادث وليس بقديم ، لأن حدوث الروح البشرية متوقف على استعداد النطفة كما حدثت الصورة في المرآة بحدوث الصقالة وإن كان ذو الصورة سابق الوجود على الصقالة.
فإن قيل : ما معنى قول النبي صلىاللهعليهوسلم : «إنّ الله تعالى خلق آدم على صورته» وروي «على صورة الرحمن» فيقال : إن الصورة اسم مشترك قد يطلق على ترتيب الأشكال ووضع بعضها على بعض واختلاف تركيبها وهي الصورة المحسوسة. وقد يطلق على ترتيب المعاني التي ليست محسوسة وللمعاني أيضا تركيب وترتيب وتناسب يسمى ذلك صورة. يقال : صورة المسألة كذا وصورة الواقعة كذا وصورة العلوم الجسمانية والعقلية كذا ، فالمسألة بالصورة المذكورة هي الصورة المعقولة المعنوية والإشارة إلى المضاهاة التي ذكرناها ، ويرجع ذلك إلى الذات والصفات
