إلى اللذيذ الموافق ، واعلم أن معرفة الله تعالى بنفسها ذكر الله تعالى ، لأنها حضور معه وشهود له ومن علامته في بدايته اللوائح والطوالع واللوامع والبروق ، وهذه ألفاظ متقاربة المعاني والفرق بين البرق والوجد أن البرق إذن في دخول طريق التوحيد والوجد يصحبك فيها فإذا دام صار ذوقا.
وأما الذوق : فهو استحلاء وشرب لما شاهدت من ضياء البرق. وأما اللحظ فهو اسم يعبر به عن رؤية الحق تعالى بالقلب ، كما قال عليه الصلاة والسّلام : «اعبد الله كأنّك تراه» وأما الوقت : فهو اسم ظرف للكائن فيه من الأحوال فوقت العبد ما هو فيه. وأما الصفاء : فهو اسم للبراءة من الكدر. وأما النفس : فهو تنفس العبد لعجزه عن حمل الأحوال الواردة عليه إما صعدا وإما تلفظا بكلام أو إشارة مما هو فيه ، لأن العبد ما دام حيا لا بدّ أن يتروح بدخول النفس وخروجه فإذا قوي النفس أدى إلى الغرق : وأما الغرق فهو عدم القدرة على النفس لكظمه فهو غير متنفس ولا غائب فإذا قوي عليه دخل في الغيبة. وأما الغيبة : فهي اسم للذهول عن المهمات بما هو أهم منها. وأما السكر : فهو اسم يشار به إلى سقوط التمالك في الطرب فإذا لحقته العناية أصحاه ليزيده علما ، لأن السكران لا يرتقي بالمسكر في الحق والصحو إنما هو بالحق. أما السكر في الحق : فهو النظر إلى صفاته والتنعم بما يرد عليه منه والتلذذ به. وأما الصحو بالله تعالى : فهو أن يتبرأ من نفسه ومن التذاذه وأحواله فإذا منح بعد ذلك بشهود الذات كوصف بالقيومية وهي صفات الألوهية فأفتنه عما سوى معبوده ثم فني عن فنائه. وأما الفناء : فحقيقته في الحس تلاشي الأجسام والأعراض وذهابها بالكلية.
ولما كان كل ما سوى الله تعالى موجودا بالله وقائما به لا بنفسه كان وجوده مجازا وكان القائم بنفسه المقيم لغيره وجوده ثابتا حقيقيا استعير لمن أكرم بهذه المعرفة لفظ الفناء لتلاشي الموجودات في عين قلبه حيث شهد الكل مع القدرة ، كالطفل لا حكم له في الفعل ، فإذا أيد هذا العبد وكمل رقاه إلى مقام البقاء. لأنه إذا لم يبق في القلب التفات إلى غير الله تعالى لدوام الشغل به عبر عن هذه الحالة بالبقاء مع الله بالله تعالى ، والوجود والبقاء اسمان مترادفان على معنى واحد ، فالوجود اسم للظفر بحقيقة الشيء ، والبقاء هو أجل الحقائق التي يقصد الظفر بها. وكذلك مقام الجمع. قال بعض السادة : الجمع ما أسقط التفرقة وقطع الإشارة ومعناه أن يكون مذكورا بالله تعالى ومذكورا منه تعالى والحمد لله وحده.
الباب الثامن
في بيان معنى الأنس بالله تعالى
اعلم : أن من أجل مواريث المحبة الأنس. أما حقيقة الأنس : فهو استبشار القلب وفرحه لما انكشف له من قرب الله تعالى وجماله وكماله. وقال بعضهم : حقيقة القرب فقد حس الأشياء من القلب وهدوء الضمير إلى الله تعالى.
