الفتيلة بعد شرب الدهن لقبول النار وإمساكها.
وأما النفخ : فهو عبارة عن اشتعال نور الروح في المحل القابل ، فالنفخ سبب الاشتعال وصورة النفخ في حق الله تعالى محال ، والسبب غير محال فعبر عن نتيجة النفخ بالنفخ وهو الاشتعال في فتيلة النطفة ، وللنفخ صورة ونتيجة.
وأما صورته : فهو إخراج هواء من جوف النافخ إلى جوف المنفوخ فيه. وهو فتيلة النطفة. فيشتعل فيها. وأما السبب الذي اشتعل به نور الروح فهو صفة في الفاعل وصفة في المحل القابل ، وأما صفة الفاعل فالجود الذي هو ينبوع الوجود وهو فياض بذاته على كل موجود حقيقة وجوده ويعبر عن تلك الصفة بالقدرة ، ومثالها فيضان نور الشمس على كل قابل الاستنارة عند ارتفاع الحجاب بينهما ، والقابل هو الملونات دون الهواء الذي لا لون له. وأما صفة القابل فالاستواء واعتدال الحاصل في التسوية كما قال تعالى : (فَإِذا سَوَّيْتُهُ).
ومثال صفة القابل : صفات المرآة فإن المرآة قبل صقالتها لا تقبل الصورة وإن كانت محاذية لها ، فإذا صقلت حدثت فيها صورة من ذي الصورة المحاذية لها فكذلك إذا حصل على الاستواء في النطفة حدث فيها الروح من خالق الروح من غير تغير في الخالق تعالى الآن لا بل إنما حدث الروح قبله لتغير المحل بحصول الاستواء الآن لا قبله.
وأما فيضان الجود ، فالمراد به أن الجود الإلهي سبب لحدوث أنوار الوجود في كل ماهية قابلة للجود فعبر عنه بالفيض لا كما يفهم من فيض الماء من الإناء على اليد فإن ذلك عبارة عن انفصال جزء مما في الإناء واتصاله باليد ، فإن الله سبحانه تعالى عن مثل هذا.
وأما كشف معنى ماهية الروح ومعرفة حقيقتها فهو من السر الذي لم يؤذن لرسول الله صلىاللهعليهوسلم في كشفه لمن ليس من أهله فإن كنت من أهله فاسمع. واعلم أن الروح ليس بجسم يحل في البدن حلول الماء في الإناء ، ولا هو عرض يحل في القلب أو الدماغ حلول السواد في الأسود والعلم في العالم ، بل هو جوهر لا يتجزأ باتفاق أهل البصائر ، لأنه لو انقسم لجاز أن يقوم بجزء منه العلم بالشيء وبجزء آخر منه الجهل بذلك الشيء بعينه فيكون في حالة واحدة عالما بشيء وجاهلا به وذلك محال ، فدل بذلك على أنه واحد لا ينقسم.
فإن قيل : لم منع رسول الله صلىاللهعليهوسلم إفشاء سر الروح وكشف حقيقته؟ فيقال : لأنه يتصف بصفات لا تحملها الأفهام إذ الناس قسمان عوام وخواص أما من غلب على طبعه العامية فإنه لا يصدق بما هو وصف الروح أن يكون وصفا لله تعالى ، فكيف يصدق به في وصف الروح الإنساني؟ وكذلك أنكرت الكرامية والحنبلية وغيرهم ممن غلبت عليهم العامية بتنزيه الإله تعالى عن الجسمية وعوارضها إذ لا يعقلون موجودا إلا متجسما مشارا إليه. ومن ترقى عن العامية قليلا نفى الجسمية عن الإله تعالى. وما أطلق أن ينفي عوارض الجسمية عنه ، فأثبت الجهة وترقى عن هذه العامية الأشعرية والمعتزلة فنزهوا الإله تعالى عن الجسمية والجهة.
