دفع المهلكات الى جندين : باطن ، وهو الغضب ، الذي يدفع المهلكات وينتقم من الأعداء ، وظاهر وهي اليد والرجل والأسلحة التي بها تعمل بمقتضى الغضب ثم المحتاج الى الغذاء اذا لم يعرف الغذاء ، لا تنفعه شهوة معرفة الغذاء وآلته فافتقر في المعرفة الى جندين باطن : وهو إدراك السمع والبصر والشم والذوق واللمس ، وظاهر : وهو العين والأذن والأنف وغيرها وتفصيل الحاجة اليها ووجه الحكمة فيها يطول ولا تحويه مجلدات كثيرة ، فسبحان الكريم الحليم.
فصل
اعلم : أن القسمة ثلاثة : الجسم والعرض والجوهر الفرد. فالروح الحيواني جسم لطيف كأنه سراج مشعل ، والحياة هو السراج والدم دهنه والحس والحركة نوره ، والشهوة حرارته ، والغضب دخانه ، والقوة الطالبة للغذاء الساكنة في الكبد خادمه وحارسه ووكيله. وهذا الروح يوجد عند جميع الحيوانات ، لأنه مشترك بين البهائم وسائر الحيوانات والإنسان هو جسم وآثاره أعراض ، وهذا الروح لا يهتدي إلى العلم. ولا يعرف طريق المصنوع ولا حق الصانع ، وإنما هو خادم أسير يموت البدن لو يزيد دهن الدم وينطفئ لزيادة الحرارة ولو ينقص ينطفئ بزيادة البرودة ، وانطفاؤه سبب موت البدن وليس خطاب البارئ جلت عظمته وتكليف الشارع عليه الصّلاة والسّلام لهذا الروح ، لأن البهائم وسائر الحيوانات غير مكلفين ولا مخاطبين بأحكام الشرع ، والإنسان إنما يكلف ويخاطب لأجل معنى آخر وجد عنده زائدا خاصا وذلك المعنى هو النفس الناطقة والروح اللطيفة ، وهذا الروح ليس بجسم ولا عرض ، لأنه من أمر الله تعالى كما أخبر بقوله : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء : ٨٥]. وأمر الله تعالى ليس بجسم ولا عرض ، بل هو جوهر ثابت دائم لا يقبل الفساد ولا يضمحل ولا يفنى ولا يموت ، بل يفارق البدن وينتظر العود إليه يوم القيامة كما ورد به الشرع ، وهذا الروح يتولد منه صلاح البدن وفساده والروح الحيواني وجميع القوى كلها من جنوده ، فإذا فارق الروح الحيواني البدن ، تعطل أحوال القوى الحيوانية فيسكن المتحرك ، فيقال لذلك السكون موت ، وإن كان الروح من أمر الله تعالى في البدن كالغريب ، فاعلم أنه لا يحل في محل ولا يسكن في مكان وليس البدن مكان الروح ولا محل القلب ، بل البدن آلة الروح والله أعلم.
فصل
في بيان المعنى المراد من قوله تعالى : (فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ) [الحجر : ٢٩]. قال رحمهالله تعالى ورضي عنه :
أما التسوية : فهي عبارة عن فعل في المحل القابل للروح وهو الطين في حق آدم عليهالسلام ، والنطفة في حق أولاده بالتصفية وتعديل المزاج والتردد في أطوار الخلقة إلى الغاية حتى ينتهي في الصفاء ومناسبة الأجزاء إلى الغاية فيستعد لقبول الروح وإمساكها كاستعداد
