الصنف الأول : باعث مستحث الى جلب الموافق النافع كالشهورة وإما إلى دفع المخالف الضار كالغضب وقد يعبر عن هذا الباعث بالإرادة.
الصنف الثاني : هو المحرك للأعضاء الى تحصيل هذه المقاصد وقد يعبر عنه بالقدرة وهي جنود مبثوثة في سائر الأعضاء.
الصنف الثالث : هو المدرك المعرف بهذه الأشياء كالجواسيس وهو قوة السمع والبصر والشم والذوق واللمس وهي مبثوثة في الأعضاء الظاهرة المركبة من اللحم والشحم والعصب والدم والعظم التي أعدت آلات لهذه الجنود. ويعبر عن عمل هذا الصنف بالعلم والإدراك ، وهذا الصنف الثالث هو المدرك من هذه الجملة ، وينقسم الى ما أسكن المنازل الظاهرة وهي الحواس الخمس. أعني السمع والبصر والشم والذوق واللمس ، وإلى ما أسكن منازل باطنة وهي تجاويف الدماغ وهي أيضا خمسة : حس مشترك وتخيل وتفكر وتذكر وحفظ.
فأما الحس المشترك فيرتسم فيها صورة ما أدته اليها الحواس الظاهرة مما أدركته كما ترسم الصورة في المرآة ومحل تصرفها مقدم البطن الأول من الدماغ.
القوة الثانية : الخيال وهي خزانة الحس المشترك يخزن فيها ما ارتسم فيه لتحفظها له الى وقت حاجته اليه ، فإن له قوة القبول وليس له قوة الحفظ والخيال له قوة الحفظ وليس له قوة القبول ومحل تصرف الخيال مؤخر البطن من الدماغ.
القوة الثالثة : الوهم موضع تصرفه مقدم البطن المؤخر من الدماغ ، لأن تصرفه هو المعاني الجزئية المتنوعة من الصور المخزونة في الخيال فكانت بعدها في الرتبة لتقليبها منه.
القوة الرابعة : الحافظة ومحل تصرفها مؤخر البطن المؤخر من الدماغ يلي محل تصرف الوهم لأنها خزانته.
القوة الخامسة : المتصرفة ومحل تصرفها في وسط الدماغ ، لأنها أشرف القوى ولأنها تأخذ من الخيال في حال دون حال وتعطيه أيضا في حال دون حال في النوم واليقظة ، وتعطي الحافظة وتطلب منها عند النسيان فكان الأليق بها أن تكون بين الحرارتين ليسهل عليها أخذها منهما وإعطاؤها إياهما والله أعلم.
وإنما افتقر القلب الى هذه الجنود من حيث افتقاره الى المركب والزاد لسفره الى الله تعالى وقطع المنازل الى لقائه الذي لأجله خلق وإنما مركبه البدن ، وإنما زاده العلم والعمل وليس يمكن أن يصل العبد الى الله تعالى ما لم يسكن البدن وتجاوز الدنيا ليتزود منها للمنزل الأقصى فافتقر الى تعهد بدنه بأن يجلب اليه ما يوافقه من الغذاء وغيره وأن يدفع عنه ما يؤذيه ، ويمكن منه أسباب الهلاك فافتقر لأجل الغذاء الى جندين : باطن وهو الشهوة ، وظاهر وهو الأعضاء الحالبة للغذاء فخلق في القلب من الشهوات ما احتاج اليه وخلقت الأعضاء التي هي آلات الشهوة وافتقر لأجل
