أمر عجيب رباني يعجز أكثر العقول والأفهام عن درك فهم حقيقته.
اللفظ الثالث : النفس وهو أيضا مشترك بين معنيين :
أحدهما : أنه يراد به المعنى الجامع لقوتي الغضب والشهوة في الإنسان وهذا الاستعمال هو الغالب على الصوفية فهم يريدون بالنفس الأصل الجامع للصفات المذمومة من الإنسان فيقولون : لا بدّ من مجاهدة النفس وكسر شهوتها ، وإليه الإشارة بقوله صلىاللهعليهوسلم : «أعدى عدوّك نفسك الّتي بين جنبيك».
والمعنى الثاني : اللطيفة التي ذكرناها وهي حقيقة الإنسان ونفسه وذاته ، ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها ، فإذا سكنت تحت الأمر وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات سميت النفس المطمئنة قال تعالى : (يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ) [الفجر : ٢٧ و ٢٨] والنفس بالمعنى الأول لا يتصور رجوعها الى الله تعالى ، فإنها مبعدة عن الله سبحانه وتعالى وهي حزب الشيطان ، وإذا لم يتم سكونها ولكنها صارت مدافعة للنفس الشهوانية سميت النفس اللوامة ، فإذا تركت الاعتراض وأذعنت لمقتضى الشهوات ودواعي الشيطان سميت النفس الأمارة بالسوء.
اللفظ الرابع : العقل والمتعلق بغرضنا منه معنيان :
أحدهما : أنه يطلق ويراد به العلم بحقائق الأمور. فيكون عبارة عن صفة العلم الذي محله خزانة القلب.
والثاني : قد يطلق ويراد به المدرك للعلوم ، فيكون هو القلب أعني تلك اللطيفة التي هي حقيقة الإنسان وحيث ورد في القرآن والسنة ذكر القلب فالمراد به المعنى الذي يفقه من الإنسان ويعرف حقيقة الأشياء ، وقد يكنى عنه بالقلب الجسماني الذي في الصدر لأن بينه وبين تلك اللطيفة العالمة التي هي حقيقة الإنسان علاقة خاصة لأن تعلقها بسائر البدن إنما هو بواسطته فهو مملكتها ومطيتها والمجرى الأول لتدبيرها وتصرفها. فالقلب الجسماني والصدر بالنسبة الى الإنسان كالعرش والكرسي بالنسبة الى الله تعالى من وجه.
فصل في بيان جنود القلب
اعلم : أن الله تعالى في القلب والأرواح وغيرها من العوالم جنودا مجندة لا يعلم حقيقتها وتفصيل عددها إلا الله تعالى. ونحن الآن نشير الى بعض جنود القلب وهو الذي يتعلق بغرضنا. فاعلم أن له جندين جند يرى بالإبصار وجند لا يرى إلا بالبصائر ، فالقلب في حكم الملك ، والجنود في حكم الخدم والأعوان.
فأما جنوده المشاهدة بالبصر فهي اليد والرجل والأذن والعين واللسان فجملة جنود القلب تحصره ثلاثة أصناف :
