أمركم واعزموا عليه. قال المؤرّج : «أجمعت الأمر» أفصح من «أجمعت عليه» ، وأنشد (١) :
|
يا ليت شعري والمنى لا تنفع |
|
هل أغدون يوما وأمري مجمع |
فأمّا رواية الأصمعيّ ، فقال أبو عليّ : يجوز أن يكون معناها : اجمعوا ذوي الأمر منكم ، أي : رؤساءكم. ويجوز أن يكون جعل الأمر ما كانوا يجمعونه من كيدهم الذي يكيدونه ، فيكون كقوله : (فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا) (٢). قوله تعالى : (وَشُرَكاءَكُمْ) قال الفرّاء وابن قتيبة : المعنى : وادعوا شركاءكم. وقال الزّجّاج : الواو ها هنا بمعنى «مع» ، فالمعنى : مع شركائكم. تقول : لو تركت النّاقة وفصيلها لرضعها ، أي : مع فصيلها. وقرأ يعقوب «وشركاؤكم» بالرّفع.
قوله تعالى : (ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً) فيه قولان : أحدهما : لا يكن أمركم مكتوما ، قاله ابن عباس. والثاني : غما عليكم ، كما تقول : كرب وكربة ، قاله ابن قتيبة. وذكر الزّجّاج القولين. وفي قوله : (ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَ) قولان : أحدهما : ثمّ اقضوا إليّ ما في أنفسكم ، قاله مجاهد. والثاني : افعلوا ما تريدون ، قاله الزّجّاج ، وابن قتيبة. وقال ابن الأنباري : معناه : اقضوا إليّ بمكروهكم وما توعدونني به ، كما تقول العرب : قد قضى فلان ، يريدون : مات ومضى.
(فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣))
قوله تعالى : (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ) أي : أعرضتم عن الإيمان. (فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ) أي : لم يكن دعائي إيّاكم طمعا في أموالكم. وقوله تعالى : (إِنْ أَجْرِيَ) حرّك هذه الياء ابن عامر ، وأبو عمرو ، ونافع ، وحفص عن عاصم ، وأسكنها الباقون.
قوله تعالى : (وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ) أي : جعلنا الذين نجوا مع نوح خلفا ممّن هلك.
(ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤))
قوله تعالى : (ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ) أي : من بعد نوح (رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ) قال ابن عباس : يريد : إبراهيم وهودا وصالحا ولوطا وشعيبا. (فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ) أي : بان لهم أنّهم رسل الله. (فَما كانُوا) أي : أولئك الأقوام (لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا) يعني الذين قبلهم. والمراد : أنّ المتأخّرين مضوا على سنن المتقدّمين في التّكذيب. وقال مقاتل : فما كانوا ليؤمنوا بما كذّبوا به من العذاب من قبل نزوله. قوله تعالى : (كَذلِكَ نَطْبَعُ) أي : كما طبعنا على قلوب أولئك ، (كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ) يعني المتجاوزين ما أمروا به.
__________________
(١) ذكره ابن منظور في «اللسان» ولم ينسبه لقائل ، ولعله للمؤرج نفسه ، حيث قال المصنف : وأنشد المؤرج.
(٢) سورة طه : ٦٤.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٢ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3325_zad-almasir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
