ذلك إلّا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ ، فأبوا ، وقالوا : أرسل إلينا أبا لبابة ، وكان مناصحا لهم ، لأنّ ولده وأهله كانوا عندهم ، فبعثه إليهم ، فقالوا : ما ترى ، أننزل على حكم سعد بن معاذ؟ فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه : إنه الذّبح فلا تفعلوا ، فأطاعوه ، فكانت تلك خيانته ؛ قال أبو لبابة : فما زالت قدماي حتى عرفت أنّي قد خنت الله ورسوله ، ونزلت هذه الآية ، هذا قول ابن عباس ، والأكثرين.
(٦٣٢) وروي أنّ أبا لبابة ربط نفسه بعد نزول هذه الآية إلى سارية من سواري المسجد ، وقال : والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله عليّ ، فمكث سبعة أيام كذلك ، ثم تاب الله عليه ، فقال : والله لا أحلّ نفسي حتى يكون رسول الله صلىاللهعليهوسلم هو الذي يحلّني ، فجاء فحلّه بيده ، فقال أبو لبابة : إنّ من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذّنب ، وأن أنخلع من مالي ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «يجزئك الثّلث».
(٦٣٣) والثاني : أنّ جبريل أتى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال : إنّ أبا سفيان في مكان كذا وكذا ، فقال النبيّ صلىاللهعليهوسلم لأصحابه : «اخرجوا إليه واكتموا» ، فكتب إليه رجل من المنافقين : إنّ محمدا يريدكم ، فخذوا حذركم ، فنزلت هذه الآية ، قاله جابر بن عبد الله.
والثالث : أنها نزلت في قتل عثمان بن عفّان ، قاله المغيرة بن شعبة (١).
(٦٣٤) والرابع : أنّ قوما كانوا يسمعون الحديث من رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فيفشونه حتى يبلغ المشركين ، فنزلت هذه الآية ، قاله السّدّيّ.
وفي خيانة الله قولان : أحدهما : ترك فرائضه. والثاني : معصية رسوله. وفي خيانة الرّسول قولان : أحدهما : مخالفته في السّرّ بعد طاعته في الظّاهر. والثاني : ترك سنّته. وفي المراد بالأمانات ثلاثة أقوال (٢) : أحدها : أنها الفرائض ، قاله ابن عباس. وفي خيانتها قولان. أحدهما : تنقيصها. والثاني : تركها. والثاني : أنها الدّين ، قاله ابن زيد ؛ فيكون المعنى : لا تظهروا الإيمان وتبطنوا الكفر. والثالث : أنها عامّة في خيانة كلّ مؤتمن ، ويؤكّده نزولها في ما جرى لأبي لبابة.
____________________________________
(٦٣٢) أخرجه الطبري ١٥٩٣٧ عن الزهري مرسلا ، فهو ضعيف. وانظر «تفسير ابن كثير» ٢ / ٣٧٦.
(٦٣٣) باطل. أخرجه الطبري ١٥٩٣٦ من حديث جابر بن عبد الله. وإسناده ضعيف فيه محمد المحرم مجهول.
وذكره السيوطي في «أسباب النزول» ٥٢٢ وقال : غريب جدا في سنده وسياقه. قلت : المتن باطل ، فالآية الكريمة تخاطب المؤمنين لا المنافقين ، وإخبار جبريل أيضا لا يصح. والصحيح عموم الآية ، وكذا اختاره الطبري وابن كثير وغيرهما.
(٦٣٤) مرسل. أخرجه الطبري ١٥٩٤١ عن السدي مرسلا.
__________________
(١) أخرجه الطبري ١٥٩٣٩ وفيه يونس بن الحارث ضعيف. وعده الذهبي في «الميزان» ٩٩٠٢ من مناكيره.
(٢) قال الطبري في «تفسيره» ٦ / ٢٢٢ الآية (وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ) : فتأويل الكلام إذا : يا أيها الذين آمنوا ، لا تنقصوا الله حقوقه عليكم من فرائضه ولا رسوله من واجب طاعته عليكم ، ولكن أطيعوهما فيما أمراكم به ونهياكم عنه ، لا تنقصوهما (وتخونوا أماناتكم) وتنقصوا أديانكم وواجب أعمالكم ولازمها لكم (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ، أنها لازمة عليكم واجبة بالحجج التي قد ثبتت لله عليكم ا. ه.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٢ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3325_zad-almasir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
