الفرائض والنّوافل ، وأدونها في الحسن : المباح. والرابع : أن يكون للكلمة معنيان أو ثلاثة ، فتصرف إلى الأشبه بالحقّ. والخامس : أنّ أحسنها : الجمع بين الفرائض والنّوافل.
قوله تعالى : (سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ) فيها أربعة أقوال (١) : أحدها : أنها جهنّم ، قاله الحسن ، ومجاهد. والثاني : أنها دار فرعون وقومه ، وهي مصر ، قاله عطيّة العوفيّ. والثالث : أنها منازل من هلك من الجبابرة والعمالقة ، يريهم إيّاها عند دخولهم الشّام ، قاله قتادة. والرابع : أنها مصارع الفاسقين ، قاله السّدّيّ. ومعنى الكلام : سأريكم عاقبة من خالف أمري ، وهذا تهديد للمخالف ، وتحذير للموافق.
(سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧))
قوله تعالى : (سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ) في هذه الآية قولان : أحدهما : أنها خاصّة لأهل مصر فيما رأوا من الآيات. والثاني : أنها عامّة ، وهو أصحّ. وفي الآيات قولان : أحدهما : أنها آيات الكتاب المتلوّة. ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال (٢) : أحدها : أمنعهم فهمها. والثاني : أمنعهم من الإيمان بها. والثالث : أصرفهم عن الاعتراض عليها بالإبطال. والثاني : أنها آيات المخلوقات كالسماء والأرض والشّمس والقمر وغيرها ، فيكون المعنى : أصرفهم عن التّفكّر والاعتبار بما خلقت. وفي معنى يتكبّرون قولان : أحدهما : يتكبّرون عن الإيمان واتّباع الرّسول. والثاني : يحقرون الناس ويرون لهم الفضل عليهم.
قوله تعالى : (وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وعاصم : «سبيل الرّشد» بضمّ الراء خفيفة. وقرأ حمزة ، والكسائيّ : «سبيل الرّشد» بفتح الراء والشين مثقلة. قوله تعالى : (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ) قال الزّجّاج : فعل الله بهم ذلك بأنّهم (كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ) ،
__________________
(١) قال الحافظ ابن كثير رحمهالله في «تفسيره» ٢ / ٣١١ : قوله (سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ) أي سترون عاقبة من خالف أمري ، وخرج عن طاعتي ، كيف يصير إلى الهلاك والدمار والشتات. قال ابن جرير : وإنما قال (سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ) كما يقول القائل لمن يخاطبه. سأريك غدا إلام ، يصير إليه حال من خالف أمري؟
على وجه التهديد والوعيد لمن عصاه وخالف أمره ثم نقل معنى ذلك عن مجاهد ، والحسن البصري. وقيل (سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ) أي من أهل الشام وأعطيكم إياها ، وقيل منازل قوم «فرعون» والأول أولى ، لأن هذا كان بعد انفصال موسى وقومه عن بلاد مصر. وهو خطاب لبني إسرائيل قبل دخولهم التيه والله أعلم.
(٢) قال الحافظ ابن كثير في «تفسيره» ٢ / ٣١٢ قوله تعالى : (سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ) وقال بعض السلف : لا ينال العلم حيي ولا مستكبر ، وقال آخر : من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبدا. وقال سفيان بن عيينة : أنزع عنهم فهم القرآن وأصرفهم عن آياتي. قال ابن جرير وهذا يدل على أن هذا خطاب لهذه الأمة. قلت : ليس هذا بلازم ؛ لأن ابن عيينة إنما أراد أن هذا مطرد في حق كل أمة ، ولا فرق بين أحد وأحد في هذا والله أعلم. ا. ه.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٢ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3325_zad-almasir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
