تمكّن منه ؛ والله عزوجل لم يزل مستوليا على الأشياء ؛ والبيتان لا يعرف قائلهما ، كذا قال ابن فارس اللغويّ. ولو صحّا ، فلا حجّة فيهما لما بيّنّا من استيلاء من لم يكن مستوليا. نعوذ بالله من تعطيل الملحدة وتشبيه المجسّمة.
قوله تعالى : (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر : «يغشي» ساكنة الغين خفيفة. وقرأ حمزة ، والكسائيّ ، وأبو بكر عن عاصم : «يغشّي» مفتوحة الغين مشدّدة ، وكذلك قرءوا في سورة الرّعد (١). قال الزّجّاج : المعنى : أنّ الليل يأتي على النّهار فيغطّيه ؛ وإنّما لم يقل : ويغشي النّهار الليل ، لأنّ في الكلام دليلا عليه ؛ وقد قال في موضع آخر : (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ) (٢). وقال أبو عليّ : إنما لم يقل : يغشي النهار الليل ، لأنّه معلوم من فحوى الكلام ، كقوله : (سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) (٣) ، وانتصب الليل والنهار ، لأنّ كلّ واحد منهما مفعول به. فأمّا الحثيث ، فهو السّريع.
قوله تعالى : (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ) قرأ الأكثرون : بالنّصب فيهنّ ، وهو على معنى : خلق السماوات والشمس. وقرأ ابن عامر : «والشمس والقمر والنجوم مسخرات» بالرّفع فيهنّ ها هنا وفي (النّحل) (٤) ، تابعه حفص في قوله تعالى : (وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ) في (النّحل) فحسب. والرّفع على الاستئناف. والمسخّرات : المذلّلات لما يراد منهنّ من طلوع وأفول وسير على حسب إرادة المدبّر لهنّ.
قوله تعالى : (أَلا لَهُ الْخَلْقُ) لأنّه خلقهم (وَالْأَمْرُ) فله أن يأمر بما يشاء. وقيل : الأمر : القضاء. قوله تعالى : (تَبارَكَ اللهُ) فيه أربعة أقوال : أحدها : تفاعل من البركة ، رواه الضّحّاك عن ابن عباس ؛ وكذلك قال القتيبيّ ، والزّجّاج. وقال أبو مالك : افتعل من البركة. وقال الحسن : تجيء البركة من قبله. وقال الفرّاء : تبارك : من البركة ؛ وهو في العربية كقولك : تقدّس ربّنا. والثاني : أنّ تبارك بمعنى تعالى ، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وكذلك قال أبو العبّاس : تبارك : ارتفع ؛ والمتبارك : المرتفع. والثالث : أنّ المعنى : باسمه يتبرّك في كلّ شيء ، قاله ابن الأنباري. والرابع : أنّ معنى «تبارك» تقدّس ، أي : تطهّر ، ذكره ابن الأنباري أيضا.
(ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥))
قوله تعالى : (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً) التّضرّع : التّذلّل والخضوع. والخفية : خلاف العلانية. قال الحسن : كانوا يجتهدون في الدّعاء ، ولا تسمع إلّا همسا. ومن هذا حديث أبي موسى :
(٥٨٦) «أربعوا على أنفسكم ، إنّكم لا تدعون أصمّ ولا غائبا».
____________________________________
(٥٨٦) حديث صحيح. أخرجه البخاري ٢٩٩٢ و ٦٦١٠ ومسلم ٢٧٠٤ وعبد الرزاق ٩٢٤٤ وأحمد ٤ / ٤٠٢ و ٤١٨ وابن أبي شيبة ٦ / ٢٩٦٥٦ ، والبيهقي في «السنن» ١٨٤ والطبري ١٤٧٨٦. والبغوي في «شرح السنة» ١٢٧٦ من حديث أبي موسى.
__________________
(١) سورة الرعد : ٣.
(٢) سورة الزمر : ٥.
(٣) سورة النحل : ٨١.
(٤) سورة النحل : ١٢.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٢ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3325_zad-almasir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
