قوله تعالى : (وَلَوْ جَعَلْناهُ) أي : ولو جعلنا الرّسول إليهم ملكا ، لجعلناه في صورة رجل ، لأنّهم لا يستطيعون رؤية الملك على صورته ، (وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ) أي : لشبّهنا عليهم. يقال : ألبست الأمر على القوم ، ألبسه ؛ أي : شبّهته عليهم ، وأشكلته. والمعنى : لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حتّى يشكّوا ، فلا يدرون أملك هو أم آدمي؟ فأضللناهم بما به ضلّوا قبل أن يبعث الملك. وقال الزّجّاج : كانوا يلبسون على ضعفتهم في أمر النّبي صلىاللهعليهوسلم ، فيقولون : إنّما هذا بشر مثلكم ؛ فقال تعالى : لو رأوا الملك رجلا ، لكان يلحقهم فيه من اللّبس مثل ما لحق ضعفتهم منه. وقرأ الزّهريّ ، ومعاذ القارئ ، وأبو رجاء : «وللبّسنا» ، بالتّشديد ، «عليهم ما يلبّسون» ، مشدّدة أيضا.
(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١))
قوله تعالى : (فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا) أي : أحاط. قال الزّجاج : الحيق في اللغة : ما اشتمل على الإنسان من مكروه فعله ، ومنه : (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) (١) ؛ أي : لا ترجع عاقبة مكروهه إلّا عليهم. قال السّدّيّ : وقع بهم العذاب الّذي استهزءوا به.
(قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٢))
قوله تعالى : (قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) المعنى : فإن أجابوك ، وإلّا ف (قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) قال ابن عبّاس : قضى لنفسه أنّه أرحم الراحمين. قال الزّجّاج : ومعنى كتب : أوجب ذلك إيجابا مؤكّدا ، وجائز أن يكون كتب في اللّوح المحفوظ ؛ وإنّما خوطب الخلق بما يعقلون ، فهم يعقلون أنّ توكيد الشّيء المؤخّر أن يحفظ بالكتاب. وقال غيره : رحمته عامّة ؛ فمنها تأخير العذاب عن مستحقه ، وقبول توبة العاصي.
قوله تعالى : (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) اللّام : لام القسم. كأنّه قال : والله ليجمعنّكم إلى اليوم الذي أنكرتموه. وذهب قوم إلى أنّ «إلى» بمعنى : «في» ثم اختلفوا ، فقال قوم : في يوم القيامة. وقال آخرون : في قبوركم إلى يوم القيامة.
قوله تعالى : (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) أي : بالشّرك ، (فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) ، لما سبق فيهم من القضاء. وقال ابن قتيبة : قوله : (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) مردود إلى قوله : (كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) الذين خسروا.
(وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣))
قوله تعالى : (وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ).
__________________
(١) سورة فاطر : ٤٣.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٢ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3325_zad-almasir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
