يفقدون كل دور مميّز ، لأن الدين سيكون لله ، وستكون الحياة كلها في خدمة القيم التي أوحى بها الله ، وستتحرك قيم جديدة لا مجال فيها للباحثين عن ذواتهم في حركة الواقع ، لأن الذات سوف تكون في دائرة الإيمان في خدمة الله والحياة لتؤكد وجودها لدى الله ، بقدر ذوبانها في خدمة عباده في ساحة رسالاته.
ولكنهم كانوا يريدون التعبير عما في داخلهم بطريقة أخرى ، فهم يحتجون بالخوف من التشريد والابتعاد عن أرضهم عند ما يهجم عليهم الناس انتقاما منهم ، لأنهم تركوا الشرك واتبعوا التوحيد وتحوّلوا من دائرة الضلال إلى رحاب الهدى.
(وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا) فلا يبقى منا أحد فيها ، ولا يبقى لنا شيء منها ، عند ما تهجم علينا العرب من كل جانب فتقتلنا وتنهب أموالنا ، لأننا سوف نواجههم معك عند ما تنشب الحرب بينك وبينهم ، فنكون في موقع الضعف ، ويكونون في موقع القوّة. وهذا ما يمنعنا من الدخول في دينك ، لأننا لا نتحمل النتائج الصعبة المترتبة على ذلك ، ولكن ، هل هم جادّون في ذلك؟ وهل أن العرب ستقف هذا الموقف لو دخلت قريش في الإسلام؟ أو أن المسألة ستتطور لمصلحة الإسلام ، باعتبار التأثير الكبير لقريش على القرار العربي ـ آنذاك ـ لما تمثله من موقع متقدم في مصالح الناس هناك؟
إن منطقهم هو منطق التهرب من المسؤولية ، لأنهم يعرفون أنهم يملكون أكثر من موقع قوّة في المنطقة المحيطة بهم ، وأن العرب سوف تدخل في الإسلام إذا سارت قريش معه. فإن أكثر الحروب التي خاضها النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم كانت بتدبير قريش وتآمرها على الإسلام والمسلمين ، وإذا كان النبي قد انتصر على العرب بدون قريش ، فكيف إذا كانت معه؟!
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3282_tafsir-men-wahi-alquran-17%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
