القرآن يردّ عليهم بمنطق الإيمان والواقع
ولكن الله يرد عليهم بطريقة أخرى ، ليوجّه تفكيرهم إلى جانب الثقة به ، فهو الذي أعطاهم من فضله الكثير ، وسهّل لهم العسير من أمورهم ، وهو القادر على حمايتهم كما هو القادر على حماية دينه ، فلا بد لهم من أن يتجهوا في اتجاه الثقة به في تركيز مستقبلهم على أساس قويّ ، فهو الأساس للقوة والأمن والثروة والجاه الكبير.
وإذا كان الإيمان هو الحقيقة الأصلية ، كما يعترفون به بمنطقهم التبريري ، فما قيمة الدنيا أمام عمق الحركة الإيمانية التي تربطهم بالله من أقوى المواقع وأوسع الأبواب؟ ففيه الخير كل الخير ، والطمأنينة كل الطمأنينة ، والحياة كل الحياة ، فأين يذهبون بعيدا عنه ، وكيف يهربون منه إلى من دونه؟
(أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً) فمن الذي جعل لهم هذا البلد الحرام الذي يشعر أهله بالأمن من خلال احترام الناس لهم ، في ما تعبدهم به من الحج إلى بيته المحرّم ، فهل حققوا لأنفسهم ذلك الموقع ، ولبلدهم ذلك المستوى ، أو أن الله هو الذي حقق لهم ذلك؟ فكيف يخافون الضياع إذا ساروا مع الله؟ (يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ) مما يجلبه الناس من أرزاقهم وأرباحهم وزروعهم وصناعاتهم ، (رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا) مما سهّل الله لهم أمره ، ويسر لهم مصادره وموارده ، فهو الرزاق لعباده ، بأسبابه ، وهو اللطيف بهم في رحمته ، (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) ولا يلتفتون إلى عمق التدبير الإلهيّ في امتداد حياة الإنسان ، فيحسبون أن الأسباب الظاهرة المتحركة في سطح الواقع هي كل شيء ، ويشتبه عليهم الأمر في ما يألفونه من ذلك ، فيخيّل إليهم أن الشرك
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3282_tafsir-men-wahi-alquran-17%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
