ويتصدى للأمر بنفسه.
(فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِ) ليستريح فيه من التعب ، وليتخفف فيه من شدّة الحر ، ولم يكن هناك من يتحدث إليه من قريب أو صديق ، فانطلق يحدّث ربه ، في مناجاة خاشعة شاكرة (فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) في ما وهبتني من القوّة ، وأعطيتني من الأمن ، ومكنتني من الحصول على الغذاء .. فقد كنت في حاجة شديدة إلى ذلك ، لأني لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرّا إلّا بك ، وحدك ، لا شريك لك ، فلك الشكر ولك الحمد ... وهذا ما ينبغي للإنسان المؤمن أن يختزنه في داخل نفسه من الشعور بالحاجة إلى الله في ما أعطاه وفي ما يمكن أن يعطيه في ابتهال خاشع يحرّك الإيمان في الذات ويطوّر العلاقة بالله.
(فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ) في خفر العذارى ، وحياء العفيفات (قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا) فقد أحسنت إلينا ، وقمت بجهد كبير في رعايتك لنا في سقي الأغنام ، وتوفير الماء لنا ، وإبعادنا عن مزاحمة الرجال ، وقد أخبرنا أبانا بذلك ، وأراد أن يتعرف عليك ليشكرك وليجزيك الجزاء الجميل ، وليعطيك أجرك على ذلك ، وليكرمك كرامة المحسنين ، فتعال إلينا ، بكل تقدير وإعزاز ، (فَلَمَّا جاءَهُ) وارتاح إليه ، ورأى في روحانيته صفاء الإيمان ، وحنان الأبوّة ، وروحيّة الرسالة ، وانفتاح القلب الكبير ، اطمأنّ إليه وشعر بأنه يقف على شاطئ الأمان عنده ، فبدأ يتحدث عن حياته ، وعن عمق المعاناة عنده ، (وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ) وعرف شعيب ـ وهذا هو اسم الرجل كما تتحدث به الروايات ـ أن هذا الشباب خائف من فرعون وقومه ، وأنه يطلب المكان الذي يرتاح إليه ، ويأمن فيه.
ف (قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) فإنهم لن يصلوا إليك في هذا المكان ، لأنهم لا يملكون أيّة سلطة هنا. وربما شعرت إحدى الامرأتين
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3282_tafsir-men-wahi-alquran-17%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
